ومنهم من يعرف الحق ويصدف عنه!. ومنهم من يعرفه ويعتنقه .. ثم ينزل عنه تحت عوامل الترغيب!. ومنهم المرتزقة الذين يؤمنون بالمال ويكفرون من أجل المال يذكرون أنفسهم كثيرا ولا يذكرون الله إلا قليلا. ومهما اختلفت مشارب الناس وكشفت عن معادنهم تجارب الحياة فإن الدعامة الأولى للتدين حرية العقل والإرادة، والمنهج الأول للنبيين تربية الأمم بالإقناع والمحبة، وإثارة مشاعر الإعجاب والإقدام في نفوسهم، وقد فعل ذلك صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ماذا كان يملك من القوة حتى يكره الناس على الإيمان؟. لقد جمع الناس على الله وسط عواصف عاتية من الغضب والمطاردة والعدوان وأشعل مصابيح الفكر بعد ما أطفأها التقليد وأخمدها الركود. وساق الدلائل البينة على صدق دينه فاحتشدت من حوله الألباب النيرة والقلوب الموقنة، وظل حياته يكافح فتن القبائل المغيرة، ويكلف صحبه أن يغرموا من أنفسهم وأموالهم للذود عن دينهم فكانوا يسارعون إلى ذلك في سرور وترحيب، وجاءت أيام كان النطق فيها بكلمة التوحيد إشارة للهجوم واستباحة الحقوق. ومع ذلك قالها من انشرحت بها صدورهم وطابت بالبذل في سبيلها أنفسهم. وبين الفينة والأخرى من مراحل العسف يجىء المشركون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه يحسبون أن التعذيب نال من يقينهم وأن ظلام المستقبل سيرجعهم إلى جاهليتهم فإذا بهم يسمعون إجابة القرآن:"قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين * قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين". 095