فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 212

وقد يحدث أن يكره المرء ولده على الذهاب إلى المدرسة، أو يكره مريضه على الذهاب إلى المستشفى، ويجد نبل الغاية مسوغا لهذا الإكراه، ويعتبر قصور الطفل عن فهم مصلحته وتوجس المريض من مرارة الدواء الذى يتجرعه أو الجراحة التى تجرى لهـ يعتبر ذلك مبررا لفرض إرادته تحقيقا لنفع محض. ربما حاول بعض المؤمنين بدافع من الثقة في صدق دينهم أن يحملوا الآخرين على الدخول فيه، يقصدون بذلك إدخالهم في الجنة وإنقاذهم من النار، وخصوصا إذا كان هؤلاء أولادهم أو أقاربهم. حدث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان لرجل من الأنصار ابنان تنصرا قبل البعثة، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يتاجرون في الزيت، فلزمهما أبوهما، وقال: لا أدعكما حتى تسلما فأبوا، واختصموا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال الوالد: يا رسول الله، أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟! فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم حملهما على الإسلام! وأمر بتخلية سبيلهما ونزل قول الله:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم". إن الإكراه لا يكون العقائد، إنه على العكس ينفر منها ويسىء بها الظنون، وطبائع الأشياء ترسم للعقائد طريقا يبدأ حتما من الحرية العقلية المطلقة. تتزاحم الأفكار والمبادئ أمام الإنسان فيؤثر منها ما يراه أولى بالاعتناق وأجدر بالاتباع، فإذا اختار فكرة ما خلطها بشعوره، ورأى على توالى الأيام أنها أصبحت شطر نفسه، ثم تمتزج بعقله وعاطفته فيصدر عنها في تصرفاته ويحب ويكره على أساسها، وتزداد الفكرة تغلغلا في وعى المرء، فبعد أن كان يدفع عنها كما يدفع عن نفسه، يفتديها بنفسه وأولاده وما يملك، والناس ليسوا سواء في هذا المنطق، لأن منهم من لا يحسن التفكير والموازنة!. 094

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت