إن هذا العنوان بلى على ألسنة المشتغلين بالدين حتى لم يعد واضح الدلالة على الحقيقة التى يرمز إليها، ولو يعلم الناس ما قصد إليه الإسلام من إقامة هذا المبدأ الخطير لأيقنوا أنه وضع به أسس التمرد على المظالم والثورة على الفسوق، وتجرئ العامة فردا فردا على أن يصدعوا بالحق، وأن يصدعوا به رأس كل جبار عنيد!!. ولن تتمثل الحرية في أوسع مداها وأنبل غاياتها كما تتمثل في هذه القاعدة الركينة من قواعد الإسلام!!. وقد تسأل: ما قيمة الأمر والنهى بين من يئسنا من ائتمارهم وانتهائهم؟ أليس السكوت أجدى؟. والجواب .. بل السكوت خطر بالغ!. إن استنكار الفظائع- ولو لم يغير من وقوعها- يعتبر في نظر الإسلام ملاحقة للإثم، وإيقافا لسيره وقتلا لجرثومته في المراحل الأولى لحياتها قبل أن يتم نماؤها وقبل أن تستتبع من صور الإثم ما هو أشد وأنكى. ومما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم:"كيف بكم إذا فسد شبابكم، وطغى نساؤكم وتركتم جهادكم"؟ قالوا: أوكل ذلك كائن يا رسول الله؟ قال:"بلى والله، وأشد من ذلك سيكون، كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"؟ قالوا: أوكل ذلك كائن يا رسول الله؟ قال:"بلى والله، وأشد من ذلك سيكون! كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا"؟ قالوا: أوكل ذلك كائن يا رسول الله؟ قال:"بلى والله وأشد من ذلك سيكون! كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف"؟! انظر إلى هذا الترتيب الدقيق في وصف أطوار التحلل التى تعترى الأمم!!. وكيف يستحيل العصيان من سيئ إلى أسوأ؟ وكيف تسلم كل مرحلة إلى ما هو أشد منها بلاء؟ .. والعلة الأولى هى التفريط في الأمر والنهى. 151