ليعذرنى القارئ إذا وجد في سرد هذه العبر من ماضينا البعيد والقريب مرارة مشبوبة وغضبة مكشوفة، و إذا أحس قسوتى في إحصاء السيئات وتضخيم بشاعتها أحيانا. فأنا في هذا الكتاب أعاتب قومى، والمعاتب يذكر ما يؤلمه لا تنديدا به ولكن استنكارا للسيئة ممن ليس لها أهلا، وإزعاجا للذاهل حتى يستفيق .. ولما كنت شديد الإحساس بالمثل العليا التى جاء بها الإسلام، فإنى كذلك شديد الأسى للواقع السوء الذى وصلنا إليه. وقد حشدت أخطاء قرون متطاولة في صحائف متجاورة، وطلبت من مسلمى اليوم أن يفكروا فيها ويتعظوا بها ويقلعوا عنها، وليس هذا بدعا في التذكير والاعتبار فاللهـ سبحانه وتعالى- خاطب اليهود في كتابه مذكرا إياهم بنعم ونقم أسلفها لآبائهم من آلاف السنين، ولم هذا الأسلوب؟. لأنه وجد في قلوب الأبناء النيات نفسها التى كانت في قلوب أسلافهم، ووجد على أيديهم الآثام نفسها التى كان آباؤهم يرتكبون. وقد غلغلت البصر في أفكار الكثيرين وأعمالهم فرأيتهم يقفون والفلك دائر، ورأيتهم كالمتدحرج في أسفل السلم لا يعرف شيئا عن المزالق التى هبطت به إلى الحضيض بعد أن قلبته رأسا على عقب، بل رأيت بعضهم يحسب الإسلام ما يطبق في الحجاز واليمن، وآخرون يريدون ابتداع أشكال للشورى- التى جاء الإسلام بها- دون دراسة لتجارب البشر في الشرق والغرب عدة قرون بل دون اعتراف بهذه التجارب الخطيرة. إن الإسلام صنع في بلاده حدائق فيحاء شهية المنظر والمتنفس فجاء الاستبداد السياسى أشبه ما يكون بدخان من البترول المحترق، ترسله آلة خربة ملأت الجو بغيومه، وزكمت الأنوف برائحته. 211