لم يمنعه هذا أن يلتقط الحكمة من أى إناء، وأن يبحث عن الحق مع أولى الفطنة والفقه من صحابته، والذى يقرأ سيرة هذا الرسول الجليل يعلم أى أفق من آفاق المجد والحصافة والكياسة كان يحيا فيه ويلقى الناس به. والرجل العظيم يلقى الناس بآرائه فلا يبالى أن يناقشوه ويناقشهم حتى يستبين وجه الحق. شتان بين هذه القمم الشم وبين الأغمار الذين ظهروا في الشرق أيام عاره وانهياره فأسسوا بأسمائهم دولا، وأصبحت لذويهم إرثا، وتكلموا بغبائهم ممن وراءهم فأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. هذا .. وقد قال علماء التفسير في شرح قوله - تعالى:"وشاورهم في الأمر .."ما سر هذه المشاورة مع كمال عقله، وجزالة رأيه، ونزول الوحى عليه، ووجوب طاعته على كافة الخلق فيما أحبوا وكرهوا؟. ثم أجابوا بأن القصد شاورهم فيما ليس عندك من الله فيه عهد، من شئون الدنيا وسياسة الحرب والسلم، لتستظهر برأيهم وتستعين بخبرتهم، فيتمخض لك الحق الخالص، ثم إن هذا تطبيقا لقلوبهم وتدعيما لأشخاصهم مما يجعلهم عليه أعطف وأحب .. ولتستن به من بعده الحكام فلا يهملوا الرعية وينفردوا بالنظر في تدبيرها، قالت عائشة:"ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله .."واتفق العلماء على أن كل ما نزل فيه من الله وحى لم تقع فيه مشورة، فهو حكم لا معقب له.
الشورى فضيلة تطابق العقل والنقل على حمدها، وصدقت الأيام عظم جدواها وحسن عقباها. قال بشار: إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن برأى نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافى قوة للقوادم 058