فما خير كف أمسك الغل أختها؟ ومنا خير سيف لم يؤيد بقائم وأدن على القربى المقرب نفسه ولا تشهد الشورى امرءًا غير كاتم وقد عرفنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستشير، وكان ينزل عن رأيه إلى رأى أصحابه ما دام الصواب قد ظهر إلى جانبهم. وطبيعة الشورى أن تكون في أمور تتفاوت العقول في إدراكها ووزن ما يرتبط بها من نفع أو ضرر، وما يتمخض عنها من نتائج دقيقة أو جليلة. وفى الشئون التى يصح للجماعة أن تختار ما تميل إليه من أطرافها المتقابلة تقرر الكثرة أو القلة الرأى الأخير، وميدان هذه الشئون فسيح. غير أن هناك أمورا أخرى لا صلة لها بهذا الميدان، ولا مكان فيها للشورى. فحقائق العلوم ليست موضع جدل تغلب فيه الكثرة وتتأخر القلة، وقديما رأى أحد علماء الفلك أن الأرض كروية الشكل فنازعه الجمهور من رجال الكنيسة وحكم بقتله. وقواعد الدين ليست موضع أخذ ورد كذلك، فما قال فيه الوحى كلمته وجب قبوله من غير توقف، وجميع المواقف التى استشار فيها الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته كانت مما يتناوله الاجتهاد العام. وأصحاب الرسالات الذين يريدون تغيير أوضاع ضالة ومحو خرافات قائمة و إصلاح عقول معوجة، كالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وكقادة الفكر من الأئمة المصلحين، هؤلاء جميعا لا يعنيهم في أداء رسالاتهم الفاضلة تألب الجهال وتعصب السفهاء، بل لقد صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربه - وحيدا - في وجه مقاومة عنيفة من أمة مسخها الشرك، وكان الوحى يلاحقه بالتأييد كلما أنهكه ضلال هذه الكثرة المنحرفة عن الجادة، والطريق السوى:"وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون". 059