فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 212

ومعروف أن تقليد الآباء، ومتابعة العرف، ومسايرة العوام، هى أشد العقبات التى قامت في وجوه المصلحين، حتى قال أبو تمام: إن شئت أن يسود ظنك كله فأجله في هذا السواد الأعظم! *لقد تعلم المسلمون من دينهم أن طغيان الفرد في أمة ما جريمة غليظة، وأن الحاكم لا يستمد بقاءه المشروع، ولا يستحق ذرة من التأييد، إلا إذا كان معبرا عن روح الجماعة ومستقيما مع أهدافها. ومن ثَم فالأمة وحدها هى مصدر السلطة، والنزول على إرادتها فريضة، والخروج على رأيها تمرد .. ونصوص الدين وتجارب الحياة تتضافر كلها على توكيد ذلك. ولئن فهم المسلمون هذه الحقيقة من دينهم مرة، فهم يفهمونها من الكوارث التى نزلت بهم ألف مرة، والمحنة الأخيرة التى حلت بنا فروعت حريمنا، وخربت ديارنا، وقتلت مرشدنا، وحشدتنا في المنافى لنجوع، وفى السجون لنعذب - هذه المحنة التى أريد بها استئصال شأفتنا، لولا أن القدر وحده حمانا وآوانا، لم تقع بنا إلا في غيبة الدستور، وتكميم الأفواه وتقييد الحريات، وانطلاق الفرد الحاكم بأمره يطغى ويبغى لا يردعه شىء. فمن المستحيل أن ينسى المسلمون منطق دينهم، وعبر تاريخهم، وأن يرضوا ساعة من نهار بانقلاب الأوضاع الدستورية وعودة لون من الحكم البغيض، إذا لم يكن عنوانه القوانين العرفية والأوامر العسكرية، فإن حقيقته هى هى سواء بسواء. ***وأخطأ من المفسرين من وهم أن الشورى غير ملزمة، فما جدواها إذن؟ وما غناؤها في تقويم عوج الفرد إذا كان من حقه ألا يتقيد بها؟ وأين في حياة الرسول وسيرة خلفائه ما يدل على أن الحاكم خرج على رأى مستشارية ومضى في طريقه وحده؟. 060

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت