ربما استشهد بعضهم بموقف أبى بكر في حرب الردة واعتراض بعض الصحابة له في قتاله من نطق بالشهادتين - ومن بينهم عمر بن الخطاب - وإصرار أبى بكر على موقفه، ويمينه التى أقسمها على قتالهم إلى النهاية. وهذا استشهاد يرد في غير موضعه، فقصة أبى بكر مع المرتدين ومانعى الزكاة لا تعنى إلا أنه عرف الحق قبل عمر ثم ما لبث أن أقنع به صاحبه فأيد وجهة نظره، واتفقا جميعا على تنفيذها، وخطأ عمر في موقفه ابتداء مع المرتدين كخطئه بعد وفاة الرسول حين أنكر موته وتوعد من يقول به، ثم ثاب إلى الحقيقة التى قررها أبو بكر في يقين وتؤدة. والديمقراطية الحديثة تخضع الحاكم لرأى الكثرة وتمنع السلطة التشريعية من التدخل في شئون السلطة التنفيذية المحضة، فإن كان الذين يريدون إطلاق سلطة الحاكم عن دائرة الشورى يعنون ذلك فلا حرج عليهم وإلا فكلامهم لغو لا يعتد به. وهذا بحث نظرى مبتوت الصلة بالحياة الواقعة في بلاد الإسلام اليوم، فإن الحكم المطلق الذى ظهر في الغرب كان يستند إلى جمهور ضخم من المؤيدين والأ نصار المتحمسين. إن"هتلر"وصل إلى الحكم عن طريق الشعب نفسه ثم تحول بعد ذلك إلى"ديكتاتور"، وكذلك فعل كثيرون من الحكام المستبدين هناك. أما عندنا فالحكام يظهرون فجأة"كالنبات الشيطانى"لا تعرف كيف ظهر ولا من تعهده؟. وتنام الشعوب ليلها، وتصحو نهارها، وهى ترمق حكامها كما يرمق المحزون القدر الغالب، أو كما يحمل المفجوع المصيبة الفادحة. وقلما تألفت حكومة ينظر إليها الشعب كما ينظر الإنسان إلى المرآة فيجد فيها صورته، حتى أصبح الشذوذ قاعدة، وحتى أصبح العامة يستغربون العدالة؟ ويهفون المظالم. 061