وأناة المرسلين في مقابلة شتائم المكذبين لها حكمة ملحوظة، فقليل من الناس من ينكشف لهم خطؤهم القديم على عجل، وقليل ممن تعرفوا أخطاءهم يسارع إلى النزوع عنها والتزام سبيل الرشاد. والمصلحون في علاجهم لأمراض الأمم يعطون فرصا طويلة لشعوبهم حتى يتعلم الجاهل ويثوب الشارد، فالزمن جزء من العلاج، والصبر على لأواء الناس ضرورة لإنجاح الرسالات، ولذلك لم يجزع هود- عليه السلام- من تسفيه قومه له وغلظتهم معه. وكذلك رأينا النبى محمدا صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة العظمى يسمع ألفاظ السخرية"يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون"فلا يرى هذه الأساليب إلا حماقة صبية، ويمضى في طريق دعوته لا يثنى عزيمته شىء. ومن رحمة الله بالناس أن يطيل الأمد على هؤلاء الكافرين حتى يعذروا من أنفسهم، فالأمم لا تعاقب بعد كفر ساعة أو كفر شهر، وإنما بعد أن يتبين أن بقاءهم سبة للحياة وفساد للأحياء!. وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحمل تبعات ذلك مهما تتابعت السنون."وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل * إن ربك هو الخلاق العليم". وكذلك أمر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ممن يحملون معه أعباء الدعوة ويكافحون لنصرها:"قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون * من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون". *089