وأما الغاية التي يسعى لها فهي تختلف باختلاف الناس وثقافاتهم وعقائدهم، فمنهم من عرف ربه وعرف حقه عليه وآمن بلقائه وعلم قدر الدنيا وأنها ما هي إلا معبر ومنفذ ومطية إلى الآخرة فأخذ منها ما يصلحه وتزود منها ما يوصله إلى رضى ربه وجنته، وتلك هي الغاية التي يسعى لها. ومنهم من جهل ذلك ولم يعرف ربه ولم يؤد حقه ولم يؤمن بلقائه؛ بل ظن أن الدنيا وحياتها ولذاتها هي الغاية فسعى لها ورضي بها واطمأن إليها وشمر في جمعها وأفنى عمره في لذاتها، وتلك هي غايته التي يسعى إليها، ولقد تحدث القرآن الكريم عن القسمين وبين حال كل من الفريقين فقال تعالى وهو أصدق القائلين: {إن الذين لا يرجون لقائنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم إن عن آياتنا غافلون، أولائك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} .
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم، دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [1] .
قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي في تفسير هذه الآيات {إن الذين لا يرجون لقاءنا} أي لا يطمعون بلقاء الله الذي هو أكبر ما طمع في الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون ؛ بل أعرضوا عن ذلك وربما كذبوا به {ورضوا بالحياة الدنيا} بدلًا عن الآخرة {واطمأنوا بها} أي ركنوا إليها وجعلوها غاية أمرهم ونهاية قصدهم فسعوا لها وانكبوا على شهواتها بأي طرق حصلت حصلوها ومن أي وجه لا حت ابتدروها قد صرفوا إراداتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها.
فكأنهم خلقوا للبقاء فيها وكأنها ليست بدار ممر يتزود فيها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون {والذين هم عن آياتنا غافلون} فلا ينتفعون بالآيات القرآنية ولا بالآيات الآفاقية والنفسية.
(1) سورة يونس الآيات: 7،8،9،10