فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 259

والثالث: أن المبتدع معاند للشرع مشاق له، لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديهاإلى غيرها لأن الله يعلم ونحن لا نعلم وأنه إنما أرسل الرسول رحمة للعالمين والمبتدع راد لهذا كله.

فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخرى وليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين وكأنه يقول الشارع يعلم ونحن نعلم؛ بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم مالم يعلمه الشارع وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين.

وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ حين كتب له عدي بن أرطاة يستشيره في بعض القدرية فكتب إليه الخليفة يقول: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه (وترك ما أحدثه المحدثون فيما قد جرت به سنته وكفوا مؤمنته فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطإ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ قد كفوا وهم كانوا على كشف الأمور أقوى وبفضل كانوا فيه أحرى فلئن قلتم أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم ورغب بنفسه عنهم إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم.

الرابع: أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها وصار هو المنفرد بذلك لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت