وقال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: (( لا خفاء أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها لأن اتباعها خروج عن الصراط المستقيم ورمي في عماية، وبيان ذلك من جهة النظر والنقل الشرعي العام أما النظر فمن وجوه.
أحدها: أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها استجلابًا لها أو مفاسدها استدفاعًا لها لأنها إما دنيوية أو أخروية:
فأما الدنيوية فلا يستقل باستدراكها على التفصيل البتة لا في ابتداء وضعها.
أولًا: ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها، إما في السوابق وإما في اللواحق لأن وضعها أولًا لم يكن إلا بتعليم من الله تعالى.
لأن آدم عليه السلام لما أنزل إلى الأرض علم كيف يستجلب مصالح دنياه إذ لم يكن ذلك من معلومه أولًا.
إلى أن قال: وأما المصالح الأخروية فأبعد عن مصالح المعقول من وضع أسبابها وهي العبادات مثلًا فإن العبد لا يشعر بها على الجملة فضلًا عن العلم بها على التفصيل.
الثاني: أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان لأن الله تعالى قال فيها: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} [1] .
ثم ذكر حديث العرباض بن سارية الذي سبق ذكره، ثم قال: وثبت أن النبي ( لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا وهذا لا مخالف فيه من أهل السنة فإذا كان كذلك فالمبتدع محصل قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها.
قال ابن الماجشون سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ( خان الرسالة لأن الله تعالى يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ دينًا لم يكن اليوم دينا.
(1) سورة المائدة آية: 3.