من الثقات، فبطل الاحتجاجُ به، فلا تحلُ الروايةُ عنه إلا على سبيل التعجب!). واعتدل الحافظ فلخص قائلًا: (ضعيف) . فيزيد الرقاشي رأس في الصدق والورع والعبادة والبكاء، وليس هو بذاك المتقن في الرواية، ولا هو بالساقط كلية، كما يتوهم البعض تقليدًا لشعبة، وقد روى له البخاري في (الأدب المفرد) ، وكذلك الترمذي وابن ماجة في سننهم.
-عبادُ بنُ كثير: هناك راويتان بهذا الاسم: عباد بن كثير الرملي الفلسطيني الشامي، وعبادُ بنُ كثير الثقفي البصري ثم المكي، ولم يشتهر أحد منهما برواية عن يزيد الرقاشي. وهناك ثالث هو: عبادُ بنُ كثير الكاهلي، ولكن الأرجح أنه هو الثقفي البصري لأن كاهل بطن من ثقيف.
والذي يغلب على الظن أنه الأولُ، أي الرملي الفلسطيني الشامي:
(1) لأن الرقاشي، وإن كان بصريًا في الأصل، فقد نزل مكة وكانت أكثر إقامته فيها، فروى عنه المكيون، والناس من كل الأمصار، كما هو في (تهذيب الكمال) ، وقد ألحقنا كامل النص في آخر هذا البحث؛
(2) ولأن الراوية عن عباد بن كثير هذا هو عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان الظفري، والد هشام بن عمار المشهور، لا يعرف برحلة في طلب العلم، وليس هو من المعروفين بالرواية، وهو من المقلين ليس له إلا بضعة أحاديث، فالأرجح أن يكون شيخه من أهل بلده، أي أن يكون شاميًا.
(3) ولأن عبادُ بنُ كثير الثقفي البصري قديم الوفاة جدًا، مات في مكة ولم يشهد جنازته الإمام سفيان الثوري، فيبعد أن يكون عمار بن نصير قد أدركه، بخلاف عبادُ بنُ كثير الرملي الفلسطيني الشامي فهو بعد ذاك بطبقة أو طبقتين، لأنه يروي عن الإمام الثوري وروى عنه الإمام يحيى بن يحيى بن بكير النيسابوري. وعمار بن نصير يشبه أن يكون من طبقة يحيى بن يحيى النيسابوري، وليس هو من المعلروفين بالتبكير في طلب العلم، أو الرحلة في طلبه: فأنى له أن يدرك الثقفي البصري نزيل مكة، المتوفى بها؟!
فراويتنا هو في الأرجح عبادُ بنُ كثير الرملي الفلسطيني الشامي، وليس الثقفي البصري (وهو نفسه الكاهلي في القول الراجح) ، كما وهم البعض ممن استعجل الحكم قبل تمحيص المسألة وإعطائها حقها. وعبادُ بنُ كثير الثقفي البصري ضعيف ساقط، كالمتفق على تركه، بل وقد اتهمه بعضهم.
-عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان الظفري، والد هشام بن عمار المشهور، شيخ البخاري، ليس معروفًا بالحديث. قال في (لسان الميزان) : [لينه الحافظ أبو القاسم الدمشقي] . ولفظة الإمام ابن عساكر هي: (وأحاديثه تدل على لينه) ، مع أنه لم يذكر له إلا هذا الحديث، وحديثًا آخر في نفس الصفحة (الجزء: 43، الصفحة: 347) ، وحديثًا ثالثًا في (الجزء: 47، الصفحة: 453) ، ورابعًا في (الجزء: 67، الصفحة: 284) ، وليست أسانيدها بالتي تحتم نسبة الضعف إليه، بل لعل الضعف من غيره.
وللحديث طريق رابعة:
قلت: أبو جعفر أحمد بن النضر بن بحر العسكري، من (ثقات الناس وأكثرهم كتابًا) كما قاله الإمام الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ، توفي عام 290 هـ، فيخشى أن يكون قد سمع هذا الحديث من سعيد بن حفص بن عمر الذهلي النفيلي بعد كبره واختلاطه، لأن وفاة سعيد بن حفص كانت سنة 237 هـ، فبين وفاتهما 57 سنة كاملة، لا سيما مع تغلب شهوة الحديث على المتأخرين، ومطاردتهم للشيوخ حتى وهم على فراش الموت، طلبًا لعلو الإسناد، وجمعًا للغرائب.
وسعيد بن حفص ثقة، ولكن لم يخرج له من الستة إلا الإمام النسائي، أخرج له حديثًا واحدًا بواسطة محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الكلبي الحراني، الملقب بـ (لؤلؤ) ، المتوفى سنة 267 هـ.
وموسى بن أعين، وهو ثقة عابد، لم يدرك الإمام الشهير ابن شهاب الزهري، فابن شهاب المذكور في الإسناد هو قطعًا رجل آخر، وهو إما: