وما ذهب إليه الترمذي هو الصواب، وهو قول أبي حاتم الرازي ، فاجتماع عبدة بن سليمان ووكيع بن الجراح وسفيان بن عيينة على روايته عن هشام مرسلًا أقوى من جميع من رواه عن هشام مرفوعًا وهم: عامر بن صالح الزبيري عند المصنف - وهو متروك - ومالك بن سعيد عند ابن ماجه - وهو ممن لا يرتقي حديثه إلى الصحة، وزائدة بن قدامة عند ابن ماجة.
ومع ذلك فقد صحح المسند ابن حبان، والعلماء الفضلاء: أحمد شاكر، والألباني، وشعيب الأرنؤوط باعتبار أن المسند لا يُعل بالمرسل وأن الوصل من الثقة زيادة مقبولة. قلت: إنما هذا حينما يكون الرواة في مستوى واحد من الدقة والضبط والاتقان، وهو ما لم يتحقق هنا، فأين عبدة ووكيع وسفيان وقد اجتمعوا على روايته مرسلًا ممن رواه موصولًا!
ولولا ضيق المقام لسقنا عشرات الأمثلة التي تدل على أن هذا الأمر لا يؤخذ على إطلاقه وأن العلماء المتقدمين راعوا فيه أمروًا أخرى، وفيما ذكرنا كفاية للفطن اللبيب.
رابعًا: التوثيق من تصحيح أحاديث المتأخرين:
من المعروف عند أهل العناية بالتاريخ والحديث أن العالم الإسلامي قد شهد في المئتين الثانية والثالثة نهضة لا مثيل لها في جمع السنة النبوية الشريفة وتتبعها وتدوينها وتبويبها على أنحاء شتى من التنظيم والتبويب، مما لم تعرفه أمة من الأمم فكان ذلك خصيصًا بهذه الأمة الإسلامية. وهيأ الله سبحانه مئات الحفاظ الجهابذة الذين حفظوا مئات ألوف من طرق الأحاديث ورحلوا من أجلها إلى البلدان النائية وطوفوا في البلدان شرقًا وغربًا ليصدروا عن خبرة وعيان، وسألوا عن الرواة واطلعوا على مروياتهم ومدوناتهم ومحفوظاتهم، فجمعت السنة في صدور الحفاظ، ودونت في الأجزاء والمصنفات والمسانيد والمعجمات والجوامع والسنن، وإن كان فات بعضهم الشيء منها فما كان ليخفي على مجموعهم وهم يتذاكرون المتون والأسانيد.
على أننا لا نشك في الوقت نفسه أن الحافظ قد أهملوا كثيرًا من الطرق الواهية والتالفة والمعلولة لا سيما عند التصنيف، وإلا فأين مئات الألوف التي كان يحفظها من مثل أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبي حاتم وأضرابهم؟!
من هنا يتعين على المشتغلين بالسنة النبوية الشريفة أن ينظروا بعين فاحصة ناقدة إلى كل حديث أو طريق يظهر في المصنفات التي جاءت بعد هذه العصور وليس له من أصل في المؤلفات السابقة، فيدرس دراسة نقدية متأنية متأتية للوقوف على السبب الذي جعله لا يظهر إلا بعد هذه المدة، وفيما إذا كان في مصنف مفقود لم يصل إلينا، أو أن يكون هذا الحديث أو الطريق معروفًا فترك عمدًا لشدة ضعفه.
ونظرًا لضيق المقام أكتفي بضرب مثل واحد حدث الوصاة بطلبة العلم الذي يرويه أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، وهو حديث رواه الترمذي ، وقال:"هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون، عن أبي سعيد". قلت: وإسناده ضعيف جدًا لأن أبا هارون هذا متروك.
ثم لا يلبث أن يظهر لهذا الحديث إسناد آخر في منتصف المئة الرابعة من طريق سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد، عند الرامهرمزي"ت 405هـ"، و"فوائد"تمام الرازي الدمشقي"ت 414هت"ومن معاصرهم، ويقول الحاكم بعد أن يسوقه من هذا الوجه:"هذا حديث صحيح ثابت لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد ابن سليمان وعباد بن العوام بن الجريري، ثم احتجاج مسلم بحديث أبي نضرة فقد عددت له في المسند الصحيح أحد عشر أصلًا للجريري، ولم يخرجا هذا الحديث الذي هو أول حديث في فضل طلاب الحديث ولا يعلم له علة، ولهذا الحديث طرق يجمعها أهل الحديث عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد، وأبو هارون سكتوا عنه".