إن الاشتغال بفهم القرآن والتفقه فيه يكون سببا للطمأنينة والسكينة ويحصل لصاحبه عز الدنيا وسعادة الآخرة كما أخبر بذلك المعلم الأول (صلى الله عليه وسلم) «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكنية وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده» .
ومصداق ذلك في كتاب الله {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} .
ثالثا: الجهاد بالقرآن الكريم
نجد الترجمة العملية له عند الأئمة والمصلحين ورجال الدعوة والإرشاد فقد اقتصروا على معاني القرآن وتفسيره في دعوتهم الشاملة، ابتداء بتحقيق التوحيد وحقوقه إلى محاربة الاستعمار، فأثمرت دعوتهم ونالت قبولا، وأقبل عليها الناس من جميع الأصناف والطبقات وأحدثت دعوتهم تغييرا إصلاحيا في العقيدة والسلوك وانتشرت في الشرق والغرب.
وبما أن ميلاد هذا البحث كان في بلاد الكويت، فمن البر بأهلها وإحسانا إلى علمائها وأعلامها، رأيت أن أبتدئ بهم، فراجعت كتاب علماء الكويت وأعلامها، فكان ممن اثار أعجابي الشيخ عبدالعزيز العتيقي، فكان تواقا لطلب العلم، فاقتنى كتبا كثيرة من كتب الحنابلة، ودرس على الشيخ محمد رشيد رضا، وتوثقت الصلة بينهما فكان مستودع أسراره، وكان مجاهدا داعيا سخيا في سبيل نشر الدعوة، وانتقل إلى الهند وأندونيسيا في سبيل نشر الدين ثم عاد إلى وطنه في الكويت، وانقطع للتعليم رحمه الله.
وإذا أردنا أن نتجول مع هذا الأثر الحميد فسنجد من بين هؤلاء المبرزين الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي (ت1376هـ) قد اعتمد في دعوته نشر التوحيد والإصلاح في ربوع نجد على تفسير القرآن الكريم، فكان ذا عناية فائقة بالتفسير وفنونه، وبرع فيه، فألف ثلاثة كتب في التفسير وحده، هي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، وتيسير اللطيف المنان في خلاصة القرآن، والقواعد الحسان لتفسير القرآن.
وإذا انتقلنا غربا الى مصر نجد الإمام محمد عبده يعتمد في دعوته على التفسير، فقد ألح عليه تلميذه رشيد رضا أن يلقي دروسا في التفسير ويعلل ذلك بقوله: «إن الكلام المسموع يؤثر في النفس أكثر مما يؤثر الكلام المقروء، ثم واصل مسيرة التفسير بعده رشيد رضا إلا أن أجله حال دون إكمال التفسير، رحم الله الجميع.
وإذا انتقلنا قليلا إلى ليبيا نجد ثلة من العلماء الذين قاموا بحق القرآن الكريم، وكانوا ترجمة عملية للذكر الحكيم، من أبرزهم شيخ الشيوخ علي الغرياني التاجوري الليبي.
وإذا انتقلنا غربا إلى تونس نجد الإمام الطاهر بن عاشور يتأثر بمدرسة رشيد رضا في التفسير، وألف تفسيرا كاملا سماه التحرير والتنوير، فحرر الناس من الجهل والظلمات، ونور به البلاد التونسية.
واذا انتقلنا قليلا إلى الغرب في الجزائر نجد الترجمة العملية المتمثلة في الإمام عبدالحميد بن باديس، فقد اقتصر على التفسير ومعاني القرآن في دعوته الإصلاحية الشاملة في الجزائر، ابتداء بتحقيق التوحيد وحقوقه إلى محاربة الشرك والاستعمار.
وإذا عرجنا جنوبا إلى بلاد شنقيط نجد خاتمة المحققين وإمامهم محمد الأمين الشنقيطي يفسر القرآن بالقرآن ويسميه: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.
هؤلاء الأئمة وغيرهم ممن لم أذكرهم كانوا مجاهدين بالقرآن بتفسيره وبيانه والتفقه فيه ودعوة الناس إليه، وقد سمى القرآن مثل عملهم ذاك بالجهاد الكبير فقال جل وعلا {وجاهدهم به جهادا كبيرا} (الفرقان:52) . أي بالقرآن كما فسره به ابن عباس، وفي هذا منقبة عظيمة لمن يدعو إلى الله بالقرآن وتفسيره وبيانه للناس فهو مجاهد، اقتداء بالمصطفى (صلى الله عليه وسلم) حيث أمره الله أن ينذر قومه بالقرآن {قل إنما أنذركم بالوحي} (الأنبياء: 45) وقال {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} (الأنعام:19) ، فكل من أنذر الناس بغير الوحي والقرآن وما يستفاد منه فقد أخطأ الطريق.
رابعا: زوال التعصب
(يُتْبَعُ)