ـ [أحمد الطعان] ــــــــ [25 Sep 2007, 12:29 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
د. أحمد إدريس الطعان
كلية الشريعة - جامعة دمشق
عندما عزمت على دراسة ظاهرة العلمانية كان التعريف القابع في ذهني هو التعريف الشائع لها وهو"فصل الدين عن الدولة"ولما قرأت قليلًا ورأيت من يطرح تعريفًا جديدًا هو"فصل الدين عن الحياة"ملت إليه وقلت هو هذا .. !!
ومع طول المعايشة والمعاشرة للخطاب العلماني رأيت أن القضية أكبر من كونها قضية فصل، وإنما هي في كثير من الأحيان أقرب إلى الجحود والنكران للأديان وقيمها، فضعفت قناعتي بهذا التعريف، وهذا لا يعني أن التعريف قد فقد قيمته عندي، وإنما يعني أنه قاصر عن الحد الكامل، وإن كان يغطي مرحلة من مراحل العلمانية أو حيِّزًا من رقعتها الشاسعة.
تبادر إلى ذهني في وقت من الأوقات أن العلمانية هي إلغاء المقدس، ولكن بعض العلمانيين أنفسهم يعتبرون المقدس نمطًا لوجود الإنسان، وأن الإنسان يعيد إنتاج المقدس بأشكال جديدة وهو يمارس دنيويته وأن المقدس عنصر من عناصر الوعي، وأن أقصى مظاهر الحداثة المعاصرة غارقة في المقدس ، وهو ما يعني أن العلمانية غارقة في مقدسات، بل ووثنيات جديدة تخترعها كبديل للمقدس الديني، بل وتضع آلهة جديدة، وتقدم لها مراسم وقرابين وألوان من العبودية والخضوع، وهو ما أشار إليه - آنفًا - رفيق حبيب.""إن الأسطرة ملَكة ثابتة وعبر هذا فالإنسان المعاصر يساهم أيضًا وعبر حرتقاته العلمية الجديدة في صنع أساطيره""ولذلك""يمكن أن يُؤلَّف عمل كامل عن أساطير الإنسان الحديث"".
قلت: فهي إذن"إنكار الغيب، وإثبات المادة"بيد أن العلمانية لم تتمكن من الاستمرار في إنكار الغيب، لأن الإيمان بالغيب لا بد منه، فإذا لم يأت اختيارًا جاء اضطرارًا، وهذا هو الواقع فالعلمانية تؤمن بغيبيات وميتافيزيقيات كثيرة مثل النيترونات، والأنتيرونات، والأثير أو السديم، وغير ذلك من أشياء يقوم عليها العلم ولكنها افتراضية، والإيمان بها ليس إلا ضربًا من ضروب الإيمان بالغيب، وإن كابرت العلمانية وعاندت ، وهو ما يلفت النظر إليه جلال أمين عندما يذهب إلى أنه""لا مفر من اتخاذ موقف ميتافيزيقي ما، والبدايات الميتافيزيقية هي التي تفضي إلى النتائج، والمقولات المختلفة التي تكون أيديولوجية ما، والتي توجه السلوك الإنساني، وهذا يعني أن العلمانية منظومة شاملة ورؤية للكون والطبيعة والإنسان تستند إلى ميتافيزيقا مُسبقة تطرح إجابات عن الأسئلة النهائية الكبرى، فحالة الشك المطلقة، الشك في كل المسلمات تجعل الحياة مستحيلة"".""فالغيبي مبدأ من مبادئ علم الاجتماع لا بد منه للمجتمع ولا يأتلف المجتمع ويكتمل إلا بمبدأ غائب عنه يرسم الحدود الفاصلة بين المقدس والدنيوي .
قلت: إذن فالعلمانية هي"النسبية المطلقة"أو""أن الإنسان هو ما يفعله""كما طرح غير واحد منهم - على سبيل المثال - مراد وهبة، ولكن المتأمل يرى كثيرًا من المنظرين والمؤسسين للفكر العلماني لا يقولون بالنسبية المطلقة، لأنهم يعتبرون آراءهم وفلسفاتهم حقائق مطلقة يجب على الناس أن يلتزموا بها، ويسيروا على مقتضاها، فالماركسيون - مثلًا - يعتبرون الماركسية هي الحقيقة المطلقة، حقيقة الحقائق، وكل العلوم التي جاءت قبلها كانت تمهيدًا لها، وكل ما سيأتي بعدها يجب أن يكون شرحًا لها .
ولذلك مع أن النسبية المطلقة تستحوذ على حيز عريض جدًا من النظرية العلمانية، إلا أنها لا يمكن أن تكون حدًا شاملًا لكل عناصرها وأسسها، هذا بالإضافة إلى أن العلمانية نفسها تتحول إلى مطلق في نظر أصحابها وعلى الآخرين أن يتعلمنوا أو يُوصَمُوا بالجهل والظلامية والأصولوية.
(يُتْبَعُ)