ـ [عبدالرحمن الشهري] ــــــــ [29 Oct 2008, 03:08 م] ـ
بقلم د. محمد عادل شريح
تنوء الدراسات الإسلامية الحديثة تحت وطأة مجموعة من المقاربات التاريخية و الفكرية التي تقيّد هذه الدراسات و تحرمها من القدرة على الإبداع، فتربط منهج البحث الفكري بالمناهج الغربية، و تربط صيرورة الفعل الحضاري الإسلامي بالأفق الحداثي الغربي. و يعود هذا النهج في بداياته إلى ما صار يعرف باسم"عصر النهضة"هذه التسمية التي تحمل بذاتها دلالات كبيرة على المنهجية في التعاطي الحضاري العام، المنهجية التي تهدف إلى تحقيق محاكاة تاريخية حضارية مستحيلة. و من جهة أخرى ففي هذه الفترة بالذات تم إنتاج أبرز نماذج هذه المقاربات الفكرية حيث نرى مثلًا تحول السننية إلى السببية، و المصلحة أو المقاصد إلى المنفعة، و الشورى إلى الديمقراطية البرلمانية، و الإجماع إلى الرأي العام و هكذا. من بين هذه المقاربات جميعًا تمثل تحولات مفهوم السننية في الفكر الإسلامي الحديث واحدة من أخطر المفاهيم، ذلك أن مفهوم السننية هو أولًا و قبل كل شيء مفهوم قرآني مما يعطيه هالة من القداسة التي تمنحه قدرًا من المقبولية المسبقة لدى المسلمين، أما ثانيًا فإن مفهوم السننية يرتبط بالمستوى العقائدي من مكونات المنظومة الإسلامية العامة، و من المعلوم أن العقائد كما هي الشرائع و الأحكام لها في الإسلام أصول و ضوابط، و بالتالي فإن أي تعديل أو تغيير لمحتوى و دلالة مفهوم السننية القرآني هو اختراق للمنظومة العقدية الإسلامية تحت ظلال المصطلح القرآني، أما ثالثًا فلأن مفهوم السننية يرتبط بواحدة من أكثر القضايا التي دار حولها الجدل في علم الكلام و أصول الدين، و هي الشكل الذي تبدت فيه الإرادة الإلهية في الطبيعة و الحياة الإنسانية و قد تمحور الجدل في هذا الموضوع حول مفاهيم عدة كالعلة و السبب و الجبر و الاختيار و التأثير الذاتي و ا لكسب و غيرها. حتى بداية"عصر النهضة"كانت هذه المفاهيم جميعها واضحة في سياقها الأصلي على الرغم من استمرار حالة الجدل حولها، لكن الذي حدث بعد ذلك أن مفهوم السننية القرآني صار يطرح كأنه مقابل لمفهوم السبب الكلامي ومن ثم ليصار إلى تقديمه على أنه العلية السببية الطبيعية، مما خرج بالمصطلح القرآني عن سياقاته و أدى لتحميله عددًا من المعاني الجديدة المستحدثة.
(الفرق الدلالي بين السنن و الآيات في النص القرآني)
لا شك في أن مفهوم السننية هو مفهوم قرآني، فقد ورد في القرآن الكريم بصيغة"سنة"في ثماني سور، ثلاثة عشرة مرة، كقولة تعالى (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) كذلك وردت بصيغة"سنتنا"مرة واحدة في سورة الإسراء بقوله تعالى: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) و كذلك وردت بصيغة سنن مرتين في سورة آل عمران بقوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) و كذلك في سورة النساء (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء:6) من الواضح أن القرآن لا يتحدث عن سنن كونية لها علاقة بخلق الكون و الإنسان أو بالقوانين الطبيعية، بل هو يستخدم مفردة السنة و السنن في حديثة عن الأمم و الشعوب و مصائرها تبعًا لاقترابها أو ابتعادها عن تعاليم دينها و أنبيائها. أما ما يسميه البعض سنن الآفاق و سنن الأنفس فهو يرد في القرآن تحت لفظة آية، بل إن الآية القرآنية التي يستدلون بها واضحة حيث تقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) . إن اختلاف الألفاظ
(يُتْبَعُ)