وموسى عليه السلام مثال عظيم للأمانة والعفة والقوة ? قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ? وأيوب عليه السلام مثال عظيم للصبر ? إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ? ولقمان للحكمة، وآدم للتوبة، ومحمد صلى الله وسلم عليه وعليهم جميعًا للرحمة ..
هذا بالإضافة إلى ما تعج به كتب السيرة والسنة من قصص ونماذج رائعة تحكي حال الرعيل الأول فتعلي دائمًا من شان الفضائل وتحط من شأن الرذائل: فعمر هو مثال للعدل والقوة في دين الله عز وجل، وأبو بكر هو مثال لليقين المطلق والتصديق الراسخ وعثمان مثال للبذل والعطاء والحياء وعلي كرم الله وجهه للشجاعة والعلم والتضحية وغير ذلك رضي الله عنهم جميعًا.
إن هذه النماذج المشرّفة في ديننا هي التي تشكل وعينا وعقلنا وتوجه مسيرتنا في الحياة، إننا نستمد منها الثقة والإيمان، ونعيش فيها وتعيش فينا وتغذي عقولنا وأرواحنا.
إن الداعية الذي يتعرض للمصاعب والمشاق يتذكر ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في سبيل إبلاغ الدعوة فتهون أمامه كل الصعاب لأنه يدرك أن كل ما يلقاه ليس شيئًا بجانب ما لقيه الرعيل الأول خلال سنوات التبليغ، فهو يتذكر: التراب الذي يرمى على وجهه صلى الله عليه وسلم ويتذكر سلا الجزور، ويتذكر أذى الطائف، وشعب أبي طالب ويتذكر سمية وآل ياسر وبلال وعمار ..
وإن الاستشهادي حين يلغم نفسه بالمتفجرات ويتجه إلى العدو ليدك معاقله دون خوف يستعرض في ذاكرته شريطًا يرى فيه حمزة وحربة وحشي تخترق أحشاءه، ومصعب يحمل اللواء لا يتخلى عنه حتى تتناوشه السيوف، وزيد بن حارثة وجعفر الطيار، وابن رواحة وزيد بن الدثنة وخبيب وغيرهم وعمر المختار الذي قال للإيطاليين: نحن لا ننهزم ننتصر أو نموت، ثم قوافل الشهداء الفلسطينيين الذين يتساقطون كل يوم، إن كل ذلك يجعله يستهين بالموت ويستصغر الحياة، ويعد نفسه في الطريق الصحيح للقافلة. إنهم ينتظرونه هناك حيث السعادة الأبدية!!.
المطلب الثاني
إسقاط القدوة
قال أصحاب البروتوكولات""وقد سبق لنا فيما مضى من الوقت أن بذلنا جهدًا لإسقاط هيبة رجال الدين عند الغوييم، وقصدنا بذلك أن نفسد عليهم رسالتهم في الأرض، وهي الرسالة التي يُحتمل أنها لا تزال بنفوذها عقبة كؤودًا في طريقنا .. ولا نرى هذا النفوذ إلا في تناقص يومًا بعد يوم""ولما للقدوة من أثر عظيم في تشكيل وعي الأمة وذاكرتها وحاضرها ومستقبلها فقد جهد أعداء الإنسانية إلى فصل الأمة عن نماذجها العليا ومثلها السامية.
فكانت أغلب جهودهم تحاول التشويش على صفاء العصر الذهبي الأول والتعكير على نقاء صورته. فكتب الكثير من المستشرقين بدوافع من الحقد الأسود والعصبية العمياء عن سيد ولد آدم، والمثل الأعلى للبشرية كلامًا لا يمكن تصنيفه لشدة بعده عن الحق ومجافاته للواقع إلا أنه هذيان مجانين وتخريفات معتوهين.
حتى أنه قام من بينهم قائم وشهد شاهد من أنفسهم أنهم قد جاوزوا الحد في الظلم وبلغوا الغاية في الافتراء، وأنه عليهم أن يهوّنوا قليلًا من سعار غيظهم، وأن يلبسوا قليلًا من الحق في كثير إفكهم لكي يتسنى له أن يتسلل إلى بعض العقول.
والهجمة التي حصلت مؤخرًا في الدانمارك تسير في هذا الإطار وهو توهين الصلة بين المؤمنين ونبيهم ?، وكسر حاجز الثقة والقداسة الذي يلف المؤمنين حول مركزهم وقدوتهم. وقد لحق بهؤلاء مجموعة من الأذناب الذين عاهدوا أعداء هذه الأمة أن يظلوا أوفياء لهم خدمًا يقومون بكل ما تتطلبه الخدمة، وأبواقًا يرددون في أوطانهم وبلدانهم ما ينفخه الغرب فيهم من بعيد .
ومن هؤلاء محمد أركون الذي يرى أن نعيد النظر في كل المسلمات التراثية والعقائد الدينية التي يتلقاها المسلم منذ الطفولة . ولا بد من التحرر من ثنائيات الإيمان والضلال والعقل والنقل والوحي والحقيقة . ولن يتم ذلك إلا بتطبيق منهجية النقد التاريخي على التراث العربي والإسلامي، لا بد أن نسير في نفس الطريق الذي سارت فيه أوربا ولا بد أن تهز المسلمين هزًا ولا بد أن يدفعوا الثمن .
(يُتْبَعُ)