رابعًا: عقيدة الصلب التي جعلت موت الإله ممكنًا في الفكر المسيحي، فما دام الابن قد مات وهو إله، فلماذا لا يموت الأب أيضًا. ولمْ ينتظر الغرب طويلًا فقد أعلن نيتشه عن موته. سبحانه وتعالى.
خامسًا: الثنائية الحادة والمتناقضة في تاريخ العلاقة بين لاهوتيين لا عقول لهم يمثلون الكنيسة، وعلماء طبيعيين لا أرواح ولا قلوب لهم يمثلون الدنيوية والمادية. ولا ننسى هنا الانفصام الشديد بين أخلاق الزهد والضعف والاستكانة التي تكرسها المسيحية، وبين الواقع الذي كان يعيشه الرهبان والبابوات من بذخ وفساد وترف، مما أفقد المسيحية الواقعية القابلة لإمكانية التطبيق.
إذا ما قورنت هذه العوامل بما يقابلها في الإسلام وجدنا:
أولًا: الله عز وجل - في الإسلام - ليس خالقًا عاطلًا عن العمل إنه - سبحانه وتعالى - خالق ومدبر ? أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ? بل إنه قيوم السماوات والأرض، أي إن استمرار قيام الكون بإرادته عز وجل ? إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا? وهو ما كرسه الأشاعرة في نظرية الخلق المستمر. إن الله عز وجل إذا قطع إمداده للكون بالوجود تلاشى بما فيه.
ثانيًا: علاقة الدين بالدنيا قائمة على الوصل وليس الفصل، فالدنيا خادمة للدين، وهي مزرعة الآخرة، وهي دار العبور، ولا بد من التزود منها ?وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ? ولكن الآخرة هي المراد والمقصد ? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ... ? .
ثالثًا: الأخلاق في الإسلام واقعية لا تُحلِّق في المثالية، ومن شاء أن يسمو إلى المثالية فهو وذاك. إن المراد في الإسلام هو العدل، أما الإحسان فهو لمن أراد أن يتجاوز الحدود البشرية ويقترب من الملائكية، فالإسلام لا يمنعه بل يبارك له جهاده? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ? ، ولن يضيع الله عز وجل عمله ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ? وسيكافئه على ذلك ? فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه? ولكن النزول عن مرتبة العدل إلى الظلم هو المرفوض.
رابعًا: ليس هناك مقابلة بين العقل والنقل في الإسلام، إن ما يقابل العقل هو الجنون، إننا نقرأ النقل بالعقل ونفهمه به، والنقل هو القائد والهادي والمرشد.
خامسًا: الوضوح: فالعقائد في الإسلام واضحة لا لبس فيها ولا غموض ولا رموز ولا أسرار ولا تعقيدات، أما في المسيحية فالعقائد غير مفهومة مبنية على الغموض والرموز ولذلك يقولون لك"آمن ثم أفهم"أما في الإسلام"إفهم ثم آمن"? وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسئُولًأ ?
إن الأصل في دعوة القرآن هي الآخرة ? وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ? والدنيا بُلْغة إلى الآخرة، ووسيلة لا بد من الأخذ بها، ولا بد من الإعمار والقيام بالأمانة، ولكن الآخرة في النهاية هي الغاية وهي الجوهر. ?وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ? ولكن الآخرة هي المراد والمقصد ? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ? إن الأصل في دعوة القرآن الابتعاد عن الانخراط الأعمى في الدنيوية من شهوات وملذات، والاكتفاء بـ َالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ، والحلال الذي فصله الله عز وجل في كتابه وهذا هو اللقاح ضد العلمانية فمن المعلوم أن الأطفال في صغرهم يُعطون جرعات صغيرة جدًا من نفس الجراثيم
(يُتْبَعُ)