ونغرز فيها توترنا , ولأنه عواطف لايغير من قيمتها
تغير الزمان أو المكان. ومن أجل ذلك فإن كل أدب
لايصدر عن عاطفة ولايثير عاطفة لايسمى أدبًا.
والعاطفة القوية تجعل النص الذي تقل فيه الحقائق
والصور رائعًا خالدًا والعاطفة الضعيفة تجعل النص
العميق الأفكار القوي الصور رديئًا.
شاعر المناسبة الجاهز يحاول أن يصنع موقدًا
يحمي به عواطفه الباردة , وهذا صانع غير ملهم
يملك اللغة ولايملك العاطفة , والأدب هوالعاطفة
كما قال يحيى حقي يعلل سبب شهرة قصته (قنديل أم هشام)
:"خرجت من قلبي كالرصاصة ولهذا استقرت في قلوب القراء".
إنشاء الأدب عمل ينبثق من العاطفة , وإنما الكلمات
والصور والأفكار والموسيقا ثياب وأجنحة تكسو
هذه الروح , والروح هي العاطفة.
والعاطفة هي التي تصهر المادة اللغوية وتقيم منها
عملًا مرئيًا. وإنما اللغة والصور والأفكار كامنة
خفية لابد أن ينبجس الصخر حتى يخرج عذبها
ولاينبجس الصخر إلا بقوة الإحساس.
قد يتساوى الرجلان بعلمهما وقدرتهما ولكننا
نقول عن أحدهما مؤثر وعن الآخر غير مؤثر.
المؤثر هو ذو الإحساس القوي الذي تمتد
حرارته إلى الأخرين ..." (1) "
من هنا لاأظن أن من رأى ولامس واحترق ..
ليس كمن روي له وسمع دون أن يعايش ويكتوي.
ولايبدع الأديب إلا حينما يسيل دمه دونما تحفيز
له بأن يهمع وينبعث .. وإنما هي الغيبوبة الواعية
التي يظن صاحبها أنه فقد فيها الوعي .. وغاب غيابًا
تامًا عن التفكير .. وصار في حالة مخاض
شديدة تنبت معها بذرة تنمو مع كل نزف وكل ألم
حتى تكبر فتصبح منظومة أدبية خالدة.
لاأظن أن أي عمل أدبي خالد إلا كان ألمًا دفينًا وجرحًا
غائرًا آذى صاحبه توجعًا وألمًا.
ومامدائح أبي الطيب التي خلدها التاريخ إلا شعور
صادق شفيف تجاه سيف الدوله الذي شاهده ولصق
به وخاض معه الحروب وشيد معه الانتصارات
وذاق معه علاقم الهزيمة حتى اكتمل بناؤه في قلبه
وأحبه بكل مافيه وأجله وقدره ورأى فيه ماكان يطمح
إليه ويؤمل .. فشهد من بعده أن السيفيات كانت أجمل
ماضمه ديوان المتنبي لاالمدائح التي خرجت زورًا
ونفاقاَ وطمعًا في غير سيف الدولة.
وقديمًا قالوا"كل مؤلف يتمثل في سطوره".. وترى الموضوع
نفسه يطرق من أفراد متعددين فترى لكل منهم شرعة ومنهاجًا
يختلف عن صاحبه .. وكأن لكل منهم موضوع مختص به.
إن الكاتب يبدع أكثر عندما يكتب عن تجربة
واقعية عايشها وأحس بها .. لكن هل معنى
هذا أنه لا يستطيع تخيل مشاعر ومواقف
ليس له عهد بها؟؟
لاأظنه .. ولو فعل لجنى على أدبه .. وماهلكة أدبنا الآن إلا
بسبب إجبار القلم على صنع الفكرة وتخيل الموضوع وإجبار
القلمعلى الكتابة فأجهد عقله ومراه بكثرة الإعادة والصنع
والترجيع ولو جعل قلبه يكتب لخلد أدبه ولأمتع قراءه ..
على أننا لاننكرأهمية اللغة في صنع الأدب .. والعاطفة
والخيال هما الجناحان اللذان يحلق بهما الأديب
إلى أبعد أفق وأوسع مدى ..
ومن ثم فإن الأدب إنما كان ناشئًا"ثمرة لحاجة الإنسان"
إلى التعبير عن عقله وشعوره" (2) "
ولذلك عرفوه بأنه"تعبير عن حالة شعورية"
ألا يستطيع أن يكتب عن بيئة ليست كبيئته؟؟
ألا يكتب الرجل عن المرأة والشاب
عن العجوز؟؟
قد يكتب ويبدع .. ولكنه لايبحث ولايكد قريحته .. وإنما
يحس ويتعاطف .. ويدخل في العمق حتى يتلبس بمن
يكتب عنه فيصيربقلب امرأة وهو رجل .. وبفؤاد عجوز
وهو مازال يافعًا فالأديب يملك قلبًا رفرافًا ومشاعر
تسع من على الأرض أجمعين.
فهاهو نزار قباني يبدع كاتبًا عن المرأة .. وساكبًا مدامعها
وعواطفها المستفيضة في أراجيز منغمة بأحلى وأصدق
المشاعر العذبة:
ويوم أجيء إليك
لكي أستعير كتاب
لأزعم أني أتيت لكي أستعير كتاب
تمد أصابعك المتعبة
إلى المكتبة
وأبقى أنا .. في ضباب الضباب
كأني سؤال بغير جواب
أحدق فيك وفي المكتبة
كما تفعل القطة الطيبة
تراك اكتشفت؟
تراك عرفت؟
بأنيَ جئت لغير الكتاب
وأني لست سوى كاذبة ..
وأمضي سريعًا إلى مخدعي
أضم الكتاب إلى أضلعي
كأني حملت الوجود معي
وأشعل ضوئي .. وأسدل حولي الستور
وأنبش بين السطور .. وخلف السطور
وأعدو وراء الفواصل .. أعدو
وراء نقاط تدور
ورأسي يدور
كأني عصفورة جائعة
تفتش عن فضلات البذور
لعلك .. يا .. ياصديقي الأثير
تركت بإحدى الزوايا ..
عبارة حب قصيرة ..
جنينة شوق صغيرة
لعلك بين الصحائف خبأت شيا
سلامًا صغيرًا يعيد السلام إليا
لاأدري شعرت بتلاحق النبضات هنا
ففي كل صوت نبض يمثل الموقف
ويرسم سرعته وهدوءه وكأنه الفتاة لارجل يكتب عنها ..
(1) د. محمد بن سليمان القسومي.
(2) أصول النقد الأدبي:أحمد الشايب
ـ [تيمة] ــــــــ [03 - 08 - 2004, 02:58 ص] ـ
السلام عليكم ..
أخي السمو: آسفة لتأخري في الرد .. في الحقيقة أسفت جدًا عندما ختمت الحديث واعتذرت عن الاطالة .. فقد كان حديثًا ممتعًا ومفيدًا .. وتمنيت لو أسهبت أكثر .. على العموم أشكرك كثيرًا لاستيفاء الأسئلة تقريبًا ..
أعجبتني فكرة المحاور الثلاثة والأمثلة عليها .. وتمنيت لو وجدت أمثلة على سؤالي الأخير أيضًا .. أو احالة الى قصص أو قصائد أو مقالات أجد فيها مثالا للحدود المقصودة ..
وما زلت عطشى للمزيد من هذا الطرح القيم فلست الا طالبة في الصفوف التمهيدية ..
الأخ سامح: انني فعلًا ممتنة لهذا التقدير لموضوعي المتواضع الذي نشأ من مجرد تساؤلات دارت بخلدي أثناء كتابتي لاحدى القصص ..
أمنيتك برؤية وجهات النظر المختلفة هنا موضع رجاء عندي .. ولن أقطع رجائي باذن الله لأنني واثقة بأن هذا المنتدى يضم نخبة تستحق الاستماع لآراءها والاستفادة منها بشكل كبير ..
عودتك محط اهتمام .. الا أنك ركزت على التساؤل الأول .. وجعلت العاطفة هي الدافع الوحيد لجعل الأدب خالدًا وقيمًا .. ولم تنتقل الى القضايا الأخرى .. فرجائي أن أرى يومًا وجهة نظرك فيها والحل الذي تطرحه لها ..
سعيدة باثراء الموضوع .. وان تغيبت في الرد كثيرًا فمنكم العذر مقدمًا ..
(يُتْبَعُ)