تعبيرها -وإنْ كانتْ أضغاثَ أحلام- ومنْ هذا القبيلِ (الصنف) ما ذكرهُ الإمامُ الشاطبيُّ- رحمه الله- أن شريكَ بنَ عبد الله القاضي -رحمه الله- دخلَ على الخليفةِ المهديِّ رحمه الله، فلما رآه قال: عليَّ بالسيفِ والنَّطْعِ، قال: ولمَ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: رأيتُ في منامي كأنك تطأُ بساطي، وأنتَ مُعرضٌ عَنِّي فقصصتُ رؤيايَ على من عَبَّرها فقال لي: يُظهرُ لك طاعةً ويضمرُ معصيةً، فقال له شريكٌ: واللهِ ما رؤياكَ برؤيا إبراهيمَ الخليلِ -عليهِ السلام- ولا أن مُعبِّرَكَ بيوسفَ عليه السلام، أفبالأحلامِ الكاذبةِ تضربُ أعناقَ المؤمنين؟ فاستحي المهديُ وقال: اخرجْ عني [1] .
والطرفُ المقابلُ لهذا الطرفِ من لا يهتمُّ بالرؤيا، ولا يُعيرُها أيَّ اهتمامٍ ولا فرقَ عندَه بين الرؤيا الصالحةِ وبينَ أضغاثِ الأحلام.
أما الطرفُ الوسطُ- وهم المحقُّون- فهمُ الذينَ لا يُنكرونَ ولا يُبالغونَ في الرؤى، بل ينطلقونَ مُنطلقًا شرعيًا مُتَّزِنًا، سندُهم في ذلك قولُ المصطفى صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحةُ- وفي روايةٍ (الصادقة) - منَ الله، والحُلُمُ من الشيطان .. » [2] .
وهنا وفي مجالِ الرؤى والمناماتِ والمعبرينَ أذكِّرُ بالأمورِ العشرةِ التالية:
1 -الرؤيا الصالحةُ جزءٌ من ستةٍ وأربعينَ جزءًا من النبوة، فقدْ روى البخاريُّ وغيرُه عن عُبادةَ بنِ الصامت، وأبي هريرةَ وأنسٍ رضي الله عنهمْ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمنِ جُزءٌ من ستةٍ وأربعين جُزءًا من النبوة» [3] .
قال ابنُ حجر، إنما كانت جزءًا من أجزاءِ النبوةِ لكونِها منَ اللهِ تعالى، بخلافِ التي من الشيطان، فإنها ليستْ من أجزاءِ النبوة [4] .
(1) الاعتصام 1/ 261.
(2) رواه البخاريُّ ومسلم وغيرُهما (خ 6987) .
(3) خ 6987.
(4) الفتح 12/ 374.