استثمر هذا العقل فيما يصلح دينه ودنياه، وإن المرء ينحدر عن مقام الأنعام حين لا يستثمر هذا العقل فيما خلق الله، قال الله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [1] .
وإذا كانت الغفلة عن الهدف الذي من أجله خلق الإنسان واحدة من أنماط عدم استثمار العقل- وليس هذا موطن الحديث عنها- فثمة نمطٌ آخر أكثر سوءًا يُزهق به العقلُ، وتقتل به الإرادة الحية .. وينتحر المرءُ وإن كان بعدُ حيًّا، وذلكم بتعاطي المسكرات والمخدرات.
لقد قيل: إن المخدرات ما هي إلا لُغمٌ يفجر حضارات الشعوب ويهدد قيمها بالزوال، وأخلاقها بالدمار. وقيل: إن إدمان المخدرات والمسكرات ما هو إلا وحشٌ كاسر، أنشب مخالب الموتِ في عنقِ مجتمعاتنا الإسلامية [2] .
وقالوا: إن خطر المخدرات على الأمم والشعوب، وتأثيرها المدمِّر عليها أشد من الحروب التي تأكل الأخضر واليابس، وتدمر الحضارات، وتقضي على القدرات، ولذا جندت حكومات العالم كل إمكاناتها لمحاربتها والحدِّ من انتشارها [3] .
أيها المسلمون! إن انتشار المسكرات والمخدرات سمةٌ من سمات الجاهلية قديمًا وحديثًا، ففي الجاهلية الأولى تغنى الشعراء بالخمرة، وصُدرت أعظم معلقات العرب في جاهليتهم بذكرها، وقال شاعرهم (عمرو بن كلثوم) :
(1) سورة الأعراف، الآية: 179.
(2) عبيد العصيمي: المخدرات دمار للمجتمعات ص هـ، 6.
(3) أحمد الغامدي، أثر المخدرات ص 7، 8.