وفي المجتمع المسلم الذي نشأ هذه النشأة، وقام تركيبه العضوي على أساس التميز في أثناء الحركة بتلك القيم الإيمانية -كما حدث في المجتمع المسلم من تميز السابقين من المهاجرين، ثم الأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل- ثم ظل يتميز الناس فيه بحسن البلاء في الإسلام، في هذا المجتمع لا يبخس الناس بعضهم بعضا، ولا ينكر الناس فضائل المتميزين - مهما غلب الضعف البشري أصحابه أحيانا فغلبتهم الأطماع -وعندئذ تنتفي الحاجة- من جانب آخر - إلى أن يزكي المتميزون أنفسهم ويطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية.
ولقد يخيل للناس الآن أن هذه خاصية متفردة للمجتمع المسلم الأول بسبب نشأته التاريخية، ولكنهم ينسون أن أي مجتمع مسلم لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة.. لن يوجد اليوم أو غدًا إلا أن تقوم دعوة لإدخال الناس في هذا الدين من جديد، وإخراجهم من الجاهلية لتي صاروا إليها.. وهذه نقطة البدء، ثم تعقبها الفتنة والابتلاء- كما حدث أول مرة- فأما ناس فيفتنون ويرتدون، وأما ناس فيصدقون ما عاهدوا الله عليه فيقضون نحبهم ويموتون شهداء، وأما ناس فيصبرون ويصابرون ويصرون على الإسلام، يكرهون أن يعودوا إلى الجاهلية كما يكره أحدهم أن يلقى في النار، حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكن لهم في الأرض -كما أمكن للمسلمين أول مرة- فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي.. ويومئذ تكن الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية... ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم.
ولقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى، فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟
وهذا السؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين، إن هذا الدين يتحرك دائما ولا يكف عن الحركة.