فإن قرأنا ثانية نصّ التكوين ( 21: 14 ـ 24 ) :"فبكَّرَ إبراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا إيَّاهما على كتفها والولد ـ إسماعيل ـ وصرفها . فمضت وتاهت في برية بئر سبع . ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار . ومضت وجلست مقابلة بعيدا نحو رمية قوس لأنها قالت لا أنظر موت الولد ، فجلست مُقابلة ورفعت صوتها وبكت . فسمع الله صوت الغلام . ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها مالك يا هاجر . لا تخافى لأنَّ الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو . قومى احملى الغلام وشدى يدك به ، لأنِّى سأجعله أمّة عظيمة . وفتح الله عينها فأبصرت بئر ماء فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام . وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية ، وكان ينموا رامى قوس ، وسكن في برية فاران ، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر".
قلت جمال: لعل القارىء الفطن قد لاحظ أنَّ توقيت القصة تم التلاعب فيه من قِبَل النساخ اليهود . فكما تم تغيير الأماكن الجغرافية للأحداث من كونها في أرض الجنوب العربى إلى وضعها في سيناء المصرية ، تم هنا أيضا تغيير مكان حدوث القصة وتغيير توقيت أحداثها . فالقصة قد وقعت أحداثها أصلا في برية فاران بأرض الجنوب وكان توقيتها قبل ولادة إسحاق عندما كان إسماعيل طفل صغير تحمله أمُّه فوق كتفها وتضمّه بين حنايا صدرها . وهذا الأمر كان بوحى من الله إلى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وليس بأمر من سارة غيرة منها على إسحاق وعقابا منها لإسماعيل وأمِّه . والدليل على ذلك نجده في داخل النصّ ذاته:
1 .. فقول النصّ بأنَّ إبراهيم أخذ الخبز وقربة الماء ووضعهما مع الولد إسماعيل على كتف هاجر وصرفها ، يدل صراحة على أنَّ إسماعيل كان طفلا صغيرا يُحمل فوق الأكتاف وليس شابا يافعا يبلغ عمره سبعة عشر عاما ..!!