يفهم من سفر التكوين ( 25: 6 ) أنَّ مكان إقامة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - كان غربى مكان إقامة إسماعيل - عليه السلام - حيث أعطى إبراهيم العطايا لأبنائه من سراريه ـ ومنهم إسماعيل ـ ثم صرفهم للسكنى شرقا بعيدا عن مكان إقامة ابنه إسحاق .
وإسماعيل - عليه السلام - كان مقيما حول بئر زمزم مع أخواله وأصهاره ، فإن اتجهنا غربا لوجدنا مكان إقامة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - في جرار . لاحظ التعبير التوراتى تغرَّبَ أى اتخذ جهة الغرب ، وهى كلمة تُعبر تماما عن جهة مكان جرار بالنسبة لمكانى شور وحويلة . إنها على الشريط الساحلى للبحر الأحمر وعلى مسافة يوم أو نصف يوم من مكان زمزم .
ولكن لفظ التوراة السامرية الخلوص ، يبعدنا قليلا لجهة الجنوب على الشريط الساحلى للبحر الأحمر ، فربما كانت جرار تقع في المنطقة المتواجد فيها المعبد الضخم لمعبود العرب القديم ذى الخلصة والذى بقيت منه بقايا آثار تم تدميرها في النصف الأول من القرن العشرين الميلادى . جاء في التعليق على كتاب أخبار مكة للأزرقى ( ج 1 ص 382 ) أنه في سراة الحجاز بالقرب من جبال دوس كان يوجد معبد قديم ضخم جدا يُعرف بكعبة ذى الخلصة . أو الكعبة اليمانية فيه صنم كبير يُعرف بذى الخلصة . أمر النبىّ - صلى الله عليه وسلم - جرير بن عبد الله البجلى رضى الله عنه أن يقوم بهدم ذلك المعبد وتكسير صنمه الشهير . وتم ذلك كما رواه البخارى في صحيحه في غزوة ذى الخلصة . إلا أنَّ بقايا من ذلك المعبد الحجرى الضخم بقيت لم تأتِ عليها عوامل الطبيعة . وحين استولى الملك عبد العزيز آل سعود على الحجاز سنة 1343 هـ أمر بأن تهدم قواعد وجدران ذلك المعبد فتم ذلك في عام 1344 هـ ويقول أحد الذين رافقوا الحملة:"إنَّ بنيان ذى الخلصة كان ضخما بحيث لا يقوى على زحزحة الحجر الواحد منه أقل من أربعين شخصا ، وإن متانته تدل على مهارة وحذق في البناء".