فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 317

لم تقتلون أنبياء الله من قبل، إن كنتم حقا تؤمنون بما أنزل إليكم؟ وهؤلاء الأنبياء هم الذين جاؤوكم بما تدعون أنكم تؤمنون به؟ لا بل إنكم كفرتم بما جاءكم به موسى - نبيكم الأول ومنقذكم الأكبر: «وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ» .. فهل اتخاذكم العجل من بعد ما جاء كم موسى بالبينات، وفي حياة موسى نفسه، كان من وحي الإيمان؟

وهل يتفق هذا مع دعواكم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم؟

ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة. بل كان هنالك الميثاق تحت الصخرة، وكان هناك التمرد والمعصية: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا، قالُوا: سَمِعْنا وَعَصَيْنا، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ» ..

والسياق هنا يلتفت من الخطاب إلى الحكاية .. يخاطب بني إسرائيل بما كان منهم، ويلتفت إلى المؤمنين - وإلى الناس جميعا - فيطلعهم على ما كان منهم .. ثم يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بالترذيل والتبشيع لهذا اللون من الإيمان العجيب الذي يدعونه إن كان يأمرهم بكل هذا الكفر الصريح: «قُلْ: بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ!» ..

ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصورين العجيبين: «قالُوا: سَمِعْنا وَعَصَيْنا» .. «وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ» .. إنهم قالوا: سمعنا. ولم يقولوا عصينا. ففيم إذن حكاية هذا القول عنهم هنا؟ إنه التصوير الحي للواقع الصامت كأنه واقع ناطق، لقد قالوا بأفواههم: سمعنا. وقالوا بأعمالهم: عصينا. والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته. وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق .. وهذا التصوير الحي للواقع يومىء إلى مبدأ كلي من مبادئ الإسلام: إنه لا قيمة لقول بلا عمل. إن العمل هو المعتبر. أو هي الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة، وهي مناط الحكم والتقدير.

فأما الصورة الغليظة التي ترسمها: «وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ» فهي صورة فريدة. لقد أشربوا، أشربوا بفعل فاعل سواهم. أشربوا ماذا؟ أشربوا العجل! وأين أشربوه؟ أشربوه في قلوبهم! ويظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة، وتلك الصورة الساخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت