يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) [طه: 70 - 76]
وهكذا انتهت المعركة في لحظة خاطفة .. فلا طعن ولا ضرب، ولا كرّ، ولا فرّ .. لقد أعطى السّحرة يدهم لموسى، وآمنوا بالله ربّ العالمين ..
إنها ضربة واحدة، انتهى بها كلّ شىء .. وإذا الحبال والعصىّ قد اختفت من الميدان .. إنها جميعا في جوف الحية .. لم يبق منها في مرأى العين رأس ولا ذنب!.
وهكذا يشهد فرعون بعينه تلك الهزيمة المنكرة، التي حشد لها كل كيده، والتي جمع لها في يوم الزينة الجموع الحاشدة لتشهد الضربة القاضية التي يضرب بها فرعون هذا الساحر الذي جرؤ على لقائه وتحديه ..
وهكذا يجىء تدبير الله فوق كل تدبير، وتعلو كلمته كل كلمة ..
وإذا هذه الجموع الحاشدة كأنما دعاها موسى، واستجلبها من كلّ مكان، لتعلن في الناس هذه الضربة القاصمة التي تلقاها فرعون على ملأ من الناس!.
ولا يجد فرعون ما يفثأ به غضبه، ويمسح فيه خزيه، إلّا السّحرة ..
وها هو ذا يضرب في وجوههم ضربات مجنونة، ويرميهم بكل ما بين يديه ..
ثم يتوعدهم بالموت على أبشع صورة وأشنعها ..
والتهمة التي يلقى بها فرعون في وجه السحرة، ويتهددهم بها، هى أنهم قد تواطئوا مع موسى على هذا الأمر، وأن موسى ليس إلا واحدا منهم، بل إنه كبيرهم الذي علمّهم السحر! وإذن، فإن فرعون لم يغلب في هذه المعركة، إلا لأنها كلها كانت جبهة واحدة، ولم يكن فرعون في الجبهة المقابلة التي تلقى هذه الجبهة وتقاتلها، وتقضى عليها .. !
إنها جميعا جبهة سحرة تآمروا عليه واتّحدوا ضده! وليس موسى إلا كبيرهم ومعلمهم! ..
«قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؟» .
هذه أول تهمة تدين السحرة عند فرعون .. إنهم آمنوا بموسى قبل أن يأخذوا إذن فرعون وإجازته!! حتى لكأنّ الإيمان بالله، عمل من أعمال السيادة التي في يد الحاكم، لا يمارسه