فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 317

فليكن الموت، وليكن التمثيل والتنكيل بهم، إنهم لصابرون على المحنة، موطنون النفس على البلاء، يرجون من الله أن يمدهم بأمداد من الصبر والعزم: «رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ» .

وإفراغ الصبر: صبّه صبّا عليهم، حتى يمتلىء كيانهم به .. فإن المحنة قاسية، والبلاء شديد، وذلك أمر يحتاج إلى كثير من أمداد الصبر من ربّ العالمين. [1]

إنه الباطل ينتفش، ويسحر العيون، ويسترهب القلوب، ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب، وأنه جارف، وأنه محيق! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى ينفثىء كالفقاعة، وينكمش كالقنفذ، وينطفىء كشعلة الهشيم! وإذا الحق راجح الوزن، ثابت القواعد، عميق الجذور .. والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال، وهو يصور الحق واقعا ذا ثقل: «فوقع الحق» .. وثبت، واستقر .. وذهب ما عداه فلم يعد له وجود: «وبطل ما كانوا يعملون» .. وغلب الباطل والمبطلون وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون: «فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ» ..

ولكن المفاجأة لم تختم بعد. والمشهد ما يزال يحمل مفاجأة أخرى .. مفاجأة كبرى ..

«وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ. قالُوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ» .. إنها صولة الحق في الضمائر. ونور الحق في المشاعر، ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين ..

إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى إن كان من السحر والبشر، أم من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر. والعالم في فنه هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة فيه حين تتكشف له، لأنه أقرب إدراكا لهذه الحقيقة، ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور .. ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق، الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين ..

(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 457)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت