وَالثَّالِثُ: تَهْوَيْنُ الْبَلِيَّةِ بِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعُدَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُ. فَإِذَا عَجَزَ عَنْ عَدِّهَا، وَأَيِسَ مِنْ حَصْرِهَا، هَانَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَرَآهُ - بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَيَادِي اللَّهِ وَنِعَمِهِ - كَقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ.
الثَّانِي: تَذَكُّرُ سَوَالِفِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ. فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي. وَتِعْدَادُ أَيَادِي الْمِنَنِ: يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ. وَأَحَدُهُمَا فِي الدُّنْيَا. وَالثَّانِي يَوْمَ الْجَزَاءِ.
وَيُحْكَى عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْعَابِدَاتِ أَنَّهَا عَثَرَتْ. فَانْقَطَعَتْ إِصْبَعُهَا. فَضَحِكَتْ. فَقَالَ لَهَا بَعْضُ مَنْ مَعَهَا: أَتَضْحَكِينَ، وَقَدِ انْقَطَعَتْ إِصْبَعُكِ؟ فَقَالَتْ: أُخَاطِبُكَ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ. حَلَاوَةُ أَجْرِهَا أَنْسَتْنِي مَرَارَةَ ذِكْرِهَا. إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَقْلَهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا فَوْقَ هَذَا الْمَقَامِ. مِنْ مُلَاحَظَةِ الْمُبْتَلِي. وَمُشَاهَدَةِ حُسْنِ اخْتِيَارِهِ لَهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ، وَتَلَذُّذِهَا بِالشُّكْرِ لَهُ، وَالرِّضَا عَنْهُ، وَمُقَابَلَةِ مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ. كَمَا قِيلَ:
لَئِنْ سَاءَنِي أَنْ نِلْتَنِي بِمُسَاءَةٍ ... فَقَدْ سَرَّنِي أَنِّي خَطَرْتُ بِبَالِكَا [1]
ثم نضيف:"فالمراحل التي تمر بها حياة المؤمنين المجاهدين؛ من العلماء والدعاة؛ ممن صدقوا في دعوى الإيمان، واستحقوا أن يمنحهم الله قيادة البشرية بالإسلام؛ هي: الابتلاء، ثم الصبر، ثم العاقبة".
فاعقل أخي المؤمن هذه المراحل والزمها وتعقبها في سير الأولين لتكون على بينة مما نقول واعلم: أن النصر مع الصبر، وأنه لا يتسع الأمر إذا إذا ضاق، وأنه بعد العسر يسرًا.
قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34]
يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ رَسُولِهِ إلى مَا لاَقَاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنْ تَكْذِيبِ أَقْوَامِهِمْ لَهُمْ، فَصَبَرُوا عَلَى الإِيذَاءِ وَالتَّكْذِيبِ، حَتَّى جَاءَ نَصْرُ اللهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَعَلَيْكَ أيُّهَا الرَّسُولُ أنْ تَتَأَسَى بِهِمْ، وَتَصْبِرَ، فَكَمَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ مَنْ سَبَقَكَ مِنَ الرُّسُلِ، كَذَلِكَ سَيَنْصُرُكَ اللهُ عَلَى أَعْدَائِكَ الكَافِرِينَ، وَلاَ مُبَدِّلَ لَكَلِمَاتِ اللهِ التِي قَضَى فِيهَا أنَّ النَّصْرَ وَالعَاقِبَةَ سَتَكُونَانِ
(1) - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 165)