فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 317

جَلْبِ النَّافِعِ سَئِمَ ذَلِكَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ. وَإِنَّمَا كَانَ الْحَاصِلُ هُوَ الْفَسَادَ، لَوْلَا الدِّفَاعُ، دُونَ الصَّلَاحِ، لِأَنَّ الْفَسَادَ كَثِيرًا مَا تَنْدَفِعُ إِلَيْهِ الْقُوَّةُ الشَّاهِيَةُ بِمَا يُوجَدُ فِي أَكْثَرِ الْمَفَاسِدِ مِنَ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ الْقَصِيرَةِ الزَّمَنِ، وَلِأَن فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ أَوْ أَكْثَرِهَا الْمَيْلَ إِلَى مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ، لِأَن طَبْعَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ أَلَّا تُرَاعِيَ مَضَرَّةَ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ النُّفُوسِ الصَّالِحَةِ، فَالنُّفُوسُ الشِّرِّيرَةُ أَعْمَدُ إِلَى انْتِهَاكِ حُرُمَاتِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ الْأَعْمَالَ الْفَاسِدَةَ أَسْرَعُ فِي حُصُولِ آثَارِهَا وَانْتِشَارِهَا، فَالْقَلِيلُ مِنْهَا يَأْتِي عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الصَّالِحَاتِ، فَلَا جَرَمَ لَوْلَا دِفَاعُ النَّاسِ بِأَنْ يُدَافِعَ صَالِحُهُمُ الْمُفْسِدِينَ، لَأَسْرَعَ ذَلِكَ فِي فَسَادِ حَالِهِمْ، وَلَعَمَّ الْفَسَادُ أُمُورَهُمْ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ.

وَأَعْظَمُ مَظَاهِرِ هَذَا الدِّفَاعِ هُوَ الْحُرُوبُ فَبِالْحَرْبِ الْجَائِرَةِ يَطْلُبُ الْمُحَارِبُ غَصْبَ مَنَافِعِ غَيْرِهِ، وَبِالْحَرْبِ الْعَادِلَةِ يَنْتَصِفُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَلِأَجْلِهَا تَتَأَلَّفُ الْعَصَبِيَّاتُ وَالدَّعَوَاتُ إِلَى الْحَقِّ، وَالْإِنْحَاءُ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَهَزْمُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ إِنَّ دِفَاعَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَصُدُّ الْمُفْسِدَ عَنْ مُحَاوَلَةِ الْفَسَادِ، وَنَفْسُ شُعُور الْمُفْسد بتأهب غَيره لدفاعه يصده عَنِ اقْتِحَامِ مَفَاسِدَ جَمَّةٍ. [1]

يبيّن أن هذا التدافع بين الناس .. بين الخير والشر .. بين الحق والباطل .. بين الأقوياء والضعفاء .. بين الأغنياء والفقراء .. بين الأفراد والأفراد .. وبين الجماعات والجماعات .. وبين الأمم والأمم- هذا التدافع في كل موقع من مواقع الحياة، وفى كل متجه فيها، وعلى كل مورد مواردها- هو الذي يحرك دولاب العمل على هذه الأرض، ويبعث الحياة في كل جانب منها .. ولو كان النّاس متجها واحدا، ومذهبا واحدا، وشعورا واحدا، وتفكيرا واحدا، ومنزعا واحدا- لكانوا شيئا واحدا .. كانوا كتلة باردة متضحمة، أشبه بجبل من الجليد، لا تطلع عليه الشمس أبدا!! فسبحان من خالف بين النّاس فجعل من هذا التخالف مادة الحياة والبناء والعمران، ولولا ذلك لفسدت الأرض وضاع الناس: «وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ» . [2]

(1) - التحرير والتنوير (2/ 500)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (1/ 311)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت