ب- إنّ معرفة حقيقة هذا الدين والإلمام بأصوله وفروعه والوقوف على أحكامه لاتكون دقيقة وصائبة إلا بالوقوف على أصول هذا الدين في لغتها الأصلية، والتي جاء بها النبي الأمين -صلى الله عليه وسلم- فكما هو معلوم لأهل اللغة أن الترجمة لأي عمل إبداعي وحتى غير الإبداعي تنقص وتعجز كثيرًا عن الوفاء الكامل بما يحمله الأصل من دقة في أفكاره وأساليبه وإيماءاته، فكذلك الحالة هنا، مع العلم أن القرآن لم يترجم إلا معانيه كما يرى ذلك علماء الإسلام، ولا يغيب عن البال أن هذين المصدرين في الذروة العليا من الفصاحة والبيان، وقمة الإبداع اللغوي.
ومن هنا، من هذا الإبداع اللغوي العظيم لهذين المصدرين يتضح لنا القصور العظيم في أي ترجمة لمعانيهما أو لهما إلى لغات أخرى عن الوفاء بدلالات لغتهما العربية، وذلك، بلا ريب مدعاة إلى تحريف هذين الأصلين أو الوقوع في ذلك على أقل تقدير، وتحريف الترجمة والفهم هنا هو تحريف لحكم شرعي أو استنباط فقهي، مما قد لا يكون هو الحكم الشرعي الصائب، أو ما جاءت به الشريعة المطهرة، وهذا كله من نتائج الترجمة المباشرة لأي من هذين المصدرين.
أما اعتماد هذه الترجمة لهذين الأصلين عند وجودها لتقوم مقام أصلهما ومن ثم الركون إليها في استنباط أحكام الشرع والاجتهاد في استخراج الأحكام، فهنا تكون النتائج أشد خطرًا وأبعد كثيرًا عن مراد الشارع وما جاء به الدين، وبذا يظهر لنا جليًا ما ذهب إليه علماء الأمة الإسلامية -رحمهم الله- من سداد الرأي وصائب الحكمة عندما وضعوا شرط الإلمام الواسع والفهم الدقيق للغة العربية من ضمن الشروط التي لابد من توفرها في المجتهد، والذي قد بلغ درجة عالية في علوم الشريعة وفهم دقائقها وجزئياتها، حتى يستخرج للمسائل التي لم يقف على جواب لها ما يهديه اجتهاده إليه (1) .
(1) راجع: أصول الفقه، محمد أبو زهرة، ص 302، ط. دار الفكر العربي القاهرة.