الصفحة 28 من 48

لقد تركزت هذه الجيوش في المناطق الخصبة لنموها من حيث سعة الانتشار والأبعاد السياسية، أتت جيوش اللغة إلى مصر والشام على وجه الخصوص في شكل إرساليات علمية، اتخذت صورًا كثيرة منها المدارس والمعاهد، ومنها الكنائس والأديرة والمصحات وغيرها.

لم تأت جحافل فرنسا وبريطانيا العسكرية إلا وللغة الفرنسية والإنجليزية في مصر والشام شأن لا يمكن تجاهله، يتحدث بها كثير من الناس، ولها مناطق ومصالح لا يمكن العيش فيها إلا بلسانها، ولقد طغى الأمر في بعض الفترات حتى كان من أفراد الأمة ومثقفيها من يستنكف عن الحديث بلغة بلاده أو التعامل بلهجة أهله، وينظر إلى لغته وثقافة أمته بازدراء كبير، وسمع من مثقفي الأمة العربية وعقلائها من صاح ورفع عقيرته في وجه هذه الظاهرة المزرية (1) .

وأصبح من أفراد الأمة من يباهي بالثقافة الفرنسية لأنه يجيد لغتها، وآخرون ينافحون عن الإنجليزية لأنهم يلوكونها وقد تعلّموا شيئًا من ثقافتها، غدا كل منهم كأنما هو فرنسي أو إنجليزى وطبعوا حياتهم -في جوانبها المختلفة- بطابع الحياة الإنجليزية أو الفرنسية، ولا شك أن ذلك يفصح للناس عن أثر اللغة البعيد الذي قد لا يظن بعضنا أنه يصل إلى نحو من هذا السلوك في حياة الإنسان.

ضرورة زيادة الاهتمام باللغة:

(1) انظر مجلة الرسالة للزيات، السنة الرابعة، ص 243 - 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت