والذي نلمسه بوضوح أن الإنكليز وكل الدول المستعمرة يحاولون أن يجعلوا لغتهم لغة التعليم أينما حلُّوا، وقد أورد الدكتور محمد أمين المصري - رحمه الله - من كلام أبي الحسن الندوي قوله:"وإن الاهتمام الزائد باللغات الأجنبية، وإعطاءها أكثر من حقها - يجعلها تنمو على حساب اللغة العربية. وإن تدريس عدة لغات في وقت ما قد أصبح موضع بحث عند خبراء التعليم خصوصًا في المراحل الابتدائية والمتوسطة" (1) .
فما بالك - أيها القارئ الكريم - بَمن هم دون تلك المراحل؟ ممن لم يتقنوا النطق الجيد بلغتهم بعد، ثم يُطلب منهم معرفة لغة أقوام آخرين؟!.
ومن الغرائب أن بدعة حديثة أصبحت تغزو المدارس الخاصة في ديار المسلمين، إذ يخصص لمادة اللغة الإنجليزية مثلًا أربع حصص في الأسبوع وأين؟ وفي أي مستوى؟ في رياض الأطفال، وسن التمهيدي، أي قبل السنة الأولى من المرحلة الابتدائية.
وصار يعتبر ذلك معيارًا لجودة هذه المدارس، بسبب إقبال الأهالي ورغبتهم ثم المتاجرة بهذه الرغبات.
إن تعلم لغة أخرى لضرورة ملحة، أو أمر طارئ - لا غبار عليه؛ فزيد بن ثابت - رضي الله عنه - كان في الحادية عشرة من عمره، لما قدم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - المدينة المنورة، وكان يكتب العربية ويروي عن نفسه فيقول:"أُتِيَ بي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أُنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعجبه ذلك، وقال: يا زيد تعلّم لي كتاب يهود؛ فإني - والله - لا آمنهم على كتابي. قال: فتعلَّمته فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته" (2)
(1) المسؤولية: ص 130.
(2) رواه أبو داود والترمذي وأحمد والطبراني، وصححه الحاكم، وعلقه البخاري في صحيحه، وانظر أعلام النبلاء2/ 429.