وفي ليلة الجمعة مستهل رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة وقعت نار بالمدينة [1] ، فاحترق المنبر، وبعض المسجد، وبعض سقف الحجرة، فكتبوا إلى الخليفة المستعصم، فأرسل بصُنَّاع وآلات من بغداد، / وابتدئ بعمارته أول سنة خمس وخمسين وستمائة، ولم يجسروا على إزالة ما وقع من السقوف على القبور حتى يطالعوا المستعصم، [واشتغل المستعصم] [2] بالتتار، فَسَقَفُوا الحجرة [3] ، ووصل من مصر آلات العمارة في دولة المنصور علي بن المعز إيبك، ووصل من اليمن من ملكها شمس الدين المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول آلات وأخشاب، وتسلطن بمصر المظفر قطز، واسمه الحقيقي محمود بن ممدود ابن أخت جلال الدين خوارزم شاه، وأبوه ابن عمه وقع عليه السبا فبيع بدمشق وسمي قطز، واشتغل بالتتار حتى كسرهم في عين جالوت، ومات في دون السنة، وتسلطن الملك الظاهر، وكان صاحب اليمن أرسل منبرًا من صندل فقلعه الملك الظاهر، وأرسل منبرًا من جهته، وكمل عمارته، والملوك يفعلون ذلك افتخارًا به [4] ،
(1) للتوسع انظر: المغانم 2/ 469، ذروة الوفا بما يجب لحضرة المصطفى، ص 97، سمط النجوم العوالي 3/ 384، مرآة الجنان 4/ 131.
(2) سقطت من الأصل والمثبت من (ب) .
(3) في الأصل: (فشققوا) بدل: (فسقفوا الحجرة) ، والمثبت من (ب) .
(4) قال الفيروزآبادي في المغانم 3/ 1349: ثم يُنْظَرُ فيما ذكره من التاريخ؛ ففيه أشياء لا تليق بِجلالة قدره، وليس ذلك من قصدي، وإنَّما المراد بيان أن الصحيح عند العلماء خلاف ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله من جواز اتِّخَاذ قناديل الذهب والفضة وتزيين المساجد بِهَا.
وهذا القول - وإن قال به بعض العلماء وفرد من أفراد الأئمة الكبراءِ فلا ينبغي أن نعضده ونقويه ونؤيده ونُمَشِّيه، فإن مقالات العلماء كثيرة بِحسب اجتهاداتِهِم واستنباطاتِهِم، لكن الذي يليق بِحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان أوضح دليلًا وأَلْوَح منهجًا وسبيلًا، وأبعد عن شتات طرق الأنام، وأقرب من اتفاق جماعات فرق الإسلام، وأوفق لفطرته الطاهرة وطريقته، ولما أجَلَّهُ الله تعالى من قُرْبِ جنابِهِ بالمنْزلة العُلْيَا، وخصه من بين سائر المرسلين والمقربين من الرُّتب بالغاية القُصْيَا.