فالمسجد الحرام الذي تُشَدُّ الرحالُ إليه يَصِحُّ أن يُقالَ: إنه الكعبة، ويصحُّ أن يقال: إنه الذي حولها الذي هو محلُّ الصلاة، وفيه مَقامُ إبراهيم، قال الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [1] ، فالحرم كله شريف، ومكة أشرفه، والحرم المحيط بالكعبة الذي هو المسجد، أشرفها، والكعبة أشرفه، وإن كانت ليس محل الصلاة، فهي من جهة التعظيم والتبجيل أزيد، وهو من جهة إقامة الصلاة أزيد، وتلك الجهة أعظم من هذه، فلا جَرَمَ كانت في التحلية بالذهب والفضة أحق من المسجد، فضعف الخلاف فيها، وقوي فيه، وأعني في التحلية التي استمرت الأعصار عليها.
[12/أ]
وأما القناديل، فالمقصود منها التنوير على المصلين، وهم ليسوا داخل الكعبة، فمن هذه الجهة / كان المسجد بالقناديل أحق، لكن في الكعبة ما ذكرناه من الرجحان في التبجيل والتعظيم، فاعتدلا بالنسبة إلى القناديل، فالتسوية بينهما في القناديل لا بأس به، والأصح منه على ما اخترناه: الجواز.
وعلى ما قاله الرافعي: التحريم، ولا دليل له.
لأنها لا أواني ولا تشبه الأواني [2] ، ولم يرد فيها نهي، ولا فيها معنى ما نُهي عنه، لا في المساجد، ولا في الكعبة، فكان القول بتحريمها فيهما باطلًا [3] ، ولما ذكر الرافعي وغيره الكعبة والمساجد أطلقوا، ولا شك أن أفضل المساجد ثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسجد بيت المقدس.
[12/ب]
(1) البقرة: 125.
(2) في (ب) ولا شبه بالأواني.
(3) تقدم قول الحافظ ابن حجر في الرد على ذلك، وأكرره لأهميته، قال: علة المنع ترجع إلى عينهما - أي قناديل الذهب والفضة - ثم قال: رأي الجمهور على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما مافي معناهما، مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات. فتح الباري 10/ 100.