وقاس أكثر العلماء غيرَ الأكل والشرب عليهما، وتكلموا في العلل المقتضية لقياس غير الأكل والشرب، والمقتضية لقياس غير الذهب والفضة عليهما، فمنهم من قال: التشبه بالأعاجم، ورد عليه بأن هذه العلة تقتضي الكراهة لا التحريم، واستند من علل بالعلة المذكورة إلى قوله في الحديث: (( فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ) )، وتأملت فوجدت هذه العلة ليست لمشروعية التحريم، بل هي تسلية للمخاطبين عن منعهم / عنها، وعلة لانتهائهم بمجازاتهم في الآخرة؛ لبسط نفوسهم، كما يقول القائل: لا تأخذ هذا في هذا الوقت، فإني أدخره لك في وقت أنفع لك من الآن، فلذلك لم تكن هذه علة للتحريم، ولو كانت علة منصوصة لم يجز تعديها.
وقال بعضهم: العلة السرفُ أو الخُيَلاء، أو كسر قلوب الفقراء، أو تضييق النقدين، كما قدمنا الإشارة إليه، وجميع العلل بالنسبة إلى ما يستعمله الشخص؛ كالأكل والشرب [1] .
أما تحلية المساجد تعظيمًا لها، فليس فيه شيء من هذه العلل [2] ،
(1) ورجح الحافظ ابن حجر في الفتح 10/ 100: أن علة المنع ترجع إلى عينهما.
وقال: رأي الجمهور على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات.
(2) رد عليه الفيروزآبادي بقوله: وهذا فصل يقضي منه العجب كل العجب وهو ظاهر الخلل، إذ السرف فيه أظهر من نارٍ على علمٍ، وتضييق قلوب الفقراء أوضح وأظهر، لأن المسجد محلهم ومقامهم، وينظرون إلى شيء يضيع لا ينتفع به أحد من المسلمين، وهم مُحتاجون إلى صرف حبة منها، بِخلاف ما في أَجْوُفِ البيوت والمخادع فإنه قد لا تَحصل منه هذه المفسدة العظمى، والبَلِيَّة الكبرى.
وأما تضييقُ النقدين المؤدي إلى غلاء السعرِ، وتقليلِ أسبابِ المعاملاتِ، فهذا أحدُ أسبابهِ لا يضاهيها نوع آخر من أنواع استعمال النقدين، وذلك لأنه يَبْطُلُ حكمه بالكليةِ، ولا يَجوز لأحد صرفه، ولا كسره، ولا بيعه.
وقوله: (لأن الشخص الذي اتَّخذها لم يقصد استعمالها، ولا أن يتزين بِهَا، ولا أحد من جهته) . فيه أن اتِّخَاذ ذلك حرام، ولا اعتبار لقصد الاستعمال، وعدمه.
ثُم إنا نَمْنع أنه لم يقصد التزين بِهَا، بل قَصَدَ ذلك وتَزَيَّنَ كما قاله الشيخُ بعد: إنه أراد به لسان صدق في الآخرين، وأي تزين أعظم من ذلك. اهـ بتصرف، المغانم 3/ 1338.