الصفحة 17 من 66

ونقل المهذب أصرح، وليس ذلك كما لو نذر الهدي وأطلق، فإنه لم يعين الْمُهْدى إليه، وهنا عَيَّنَهُ وهو الكعبة، وإذا وجدنا مالًا في الكعبة، واحتمل أن يكون من هذه الجهة حملناه عليها، عملًا باليد، كما تبقى أيدي أرباب الأملاك على ما بأيديهم، فكذلك يبقى ما في الكعبة من المال على ما هو عليه، لا نُحَرِّكُهُ، كما فعلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإن قلت: فما مستند عمر - رضي الله عنه - فيما هَمَّ به؟ قلت: عمر - رضي الله عنه - إمامُ هدى، وأبو بكر - رضي الله عنه - أعظمُ منه، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أعظمُ منهما، والهديُ كله فيما جاء به، فلا يلزمنا النظر فيما كان سببَ هَمِّ عمر، وقد رَجعَ عنه بمجرد ما سمع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وهو أعلم بهما وأطوع لهما.

قال ابن بَطَّال: أراد عمر أن يصرفه في منافع المسلمين؛ نظرًا لهم [1] ، فلما أخبرهُ شيبةُ، صَوَّبَ فِعْلَهُما، وإنما تركاهُ لأن ما جعل للكعبة وسُبِّلَ لها يجري مجرى الأوقاف [2] ،

(1) في شرح صحيح البخاري لابن بطال 2/ 276 زيادة: (وحيطة عليهم) .

(2) تعقبه الحافظ ابن حجر في فتح الباري 3/ 457 فقال: هذا ليس بظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تركه - صلى الله عليه وسلم - لذلك رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم. ويؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشة في بناء الكعبة، ولفظه: (( لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض ) )فهذا التعليل هو المعتمد.

ثم قال: وعلى هذا فإنفاقه جائز، ولولا قوله في الحديث (( في سبيل الله ) )لأمكن أن يحمل الإنفاق على ما يتعلق بها فيرجع إلى أن حكمه حكم التحبيس.

ويمكن أن يحمل قوله: في سبيل الله، على ذلك، لأن عمارة الكعبة يصدق عليه أنه في سبيل الله. اهـ، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت