وتعلمون يقينًا أشكال الظلم الواقعة على الأفراد والجماعات والقبائل من قِبَل النظام كنظام، ومن قِبَل المتنفذين فيه كأفراد؛ لأن كثيرًا من المظلومين غالبًا ما يلوذون بكم ويكتبون لكم مُستنجدين.
إن مشكلتكم يا سماحة الشيخ ليست مجرد تزكية النظام بل لقد اضطررتم للتناقض أكثر من مرة؛ بسبب مُداراة النظام، ومن أمثلة هذا التناقض الصريح، فتوى تحريم الاستعانة بغير المسلمين التي وُجِّهت لجمال عبد الناصر، والتي قُلتم فيها أن الاستعانة لا تجوز حتى عند الضرورة، ومرَّت السنين وانقلَبت الصورة فلم تكتفوا بتجويز الاستعانة للضرورة، بل اعتبرتموها واجبة وآثم من لم يعملها!
وتكَرَّر منكم تغيير الفتوى مُتابَعة للحاكم في قضيَّتَيْ أفغانستان واليمن، هذا فضلًا عن قائمة الفتاوى الصادرة منكم تبعًا لرغبة النظام وأولها فتوى استدعاء القوات، ثم بيان هيئة كبار العلماء ضد خطاب المطالِب، وبيان الهيئة ضد مُذكِّرة النصيحة، وبيان الهيئة ضد لجنة الدفاع، وبيان الهيئة في الأمر بتوقيف الشيخين سلمان وسفر؛ من أجل حماية المجتمع من أخطائهما!
والفتاوى الأخيرة التي جَعلَت الأمريكان من المعاهدين معصومي الدم، واعتبار قَتْلهم من أعظم الفساد في الأرض، تُرى هل قرأتم كلام شيخ الإسلام بن تيمية فيمن يُفتي بخلاف الكتاب والسنة موافقةً لهوى السلطان؟ قال في الفتاوى:"ومتى ترك العالِم ما علِمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتبع حكم الحاكم المخالِف لحكم الله ورسوله كان مُرتدًا كافرًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة) الفتاوى ج35 ص372 - 373"
إن كتمان العلم ليس هو كتمان الكتاب والسنة، فلا أحد يستطيع كتمان الكتاب والسنة، لكنه عدم إنزالها على الوجه الصحيح في النوازل التي يستوجب على العالم إنزال النصوص عليها، هذه الجريمة العظيمة إذا اكتُفِي بالكتمان فقط، فكيف إذا خان الأمانة وكذب على الله حين يُبلِّغ عنه غير ما أراد -سبحانه- في كتابه وسنة رسوله؟!
فهؤلاء هم المقصودون بقول الله -تعالى-: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .