يا سماحة الشيخ، لقد تعرَّضت للابتلاء حين سهَّل الله لك طريق العلم وسخر لك الحكام فترقَّيتَ في المناصب وتبوَّاتَ مسؤولية الفتوى الرسمية وعُيِّنتَ رئيسًا لهيئة كبار العلماء؛ ولذلك فإن ابتلاءك لم يكن بمجرد تحصيلك للعلم، وهو بلاء عظيم في حد ذاته، ولكنه في تمكينك من منصب الفُتيا الرسمية التي تملك من خلالها سلطة وقوة ووسائل الإعلام والتبليغ التي لا يملكها الآخرون من العلماء وطلبة العلم، ثم أن الله زاد بلاءك فأعانك على سبُل العيش ووسَّع لك في الرزق ومد لك في العمر طويلًا وأنت ترفل في تلك المناصب والنعم وتتمتع بتلك السلطة والنفوذ.
يا سماحة الشيخ، مثلك ليس المُعلَّم عظم تلك المسؤولية وخطورة ذلك البلاء، ومثلك لا يخفى عليه معنى قوله -سبحانه وتعالى- {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} فالعالِم يستحق اللعنة من الله ومن اللاعنين إذا كتم الحق حتى لو كان من آحاد العلماء، فكيف إذا كان متبوِّئًا لمنصب الفُتيا ومُمَكَّنًا من وسائل التبليغ والإعلام.
وكان من عظم تلك الجريمة أنه لا يكفيها مجرد التوبة منها واستكمال شروط التوبة الواردة في الذنوب الأخرى بل أن العالِم لا يسلم من اللعنة -لعنة الكتمان- إلا إذا أدَّى ما جاء في الآية التي تتلو السابقة وهي قوله -تعالى-: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، فلا بُدّ من الإصلاح والتبيين وإرشاد من تَسبَّب العالم بضلالهم إلى الحق الصحيح.
اسمح لنا يا سماحة الشيخ أن نستعرض سِجلكم من خلال السنين الماضية في قضية البلاغ، لقد صدر عنكم أقوال كثيرة تُزكون فيها الدولة وتصفونها بأحسن الأوصاف الشرعية رغم أنكم على اطلاع كامل وتفصيل على ما يجري في البلد وكل تفاصيل المخالفات الشرعية التي يرتكبها النظام على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد المتنفذين.
بل إنكم -كما يعرف القريبون منكم- أعلم بكثير ممن يدَّعون أنهم على علم بما يجري؛ لأن معظم أهل الإصلاح يوصلون ما عندهم من أخبار ومعلومات وملاحظات ونصائح إليكم، ولقد شهدنا شخصيًا جلسات كثيرة بَسط فيها الواقع لكم بشكل تفصيلي ليس فيه مواربة، بل إننا نستطيع أن نقول أن الحُجَّة قد أُقيمت عليكم وأن الذمة قد برأَت معكم من قِبَل عدد كبير من المشايخ وأساتذة الجامعات والمصلحين، وإن إقامة الحُجَّة في بيان الواقع على التفصيل لكم قد حصل مرارًا وتكرارًا من قِبَل أناس تثقون بهم وتأخذون بحديثهم.