لم يأت الإسلام ليلغي ما تعارف عليه الناس وارتضوه من زعامات ووجاهة إن أسلمت هذه الزعامات ودخلت في الدين، فالجهاد لم يفرض لتسود قومية معينة على غيرها وإنما فرض ليسود الإسلام نفسه.
ولهذا المعنى نجد أن من السياسة الشرعية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم إقرار الملوك على بلدانهم إن أسلموا وتأليف قلوب وجهاء الناس والمتبوعين منهم حتى لا يكونوا فتنة لغيرهم أو عقبة في طريق الدعوة.
فكسب هذه الناس وإرضائها ولو بشيء من الدنيا مطلب شرعي لما فيه من المصالح العظيمة في تأمين الأراضي المفتوحة وقطع الطريق على الأعداء من أن يجدوا من بيننا من يمد لهم يد العون، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل لبعض الناس من الوجاهة ما يسكن به طبائعهم وهو ما أشار به العباس رضي الله عنه يوم فتح مكة فقال (يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا) فقال النبي صلى الله عليه وسلم"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
أما إهانة [كسيلة] من قبل [عقبة بن نافع] فقد كانت مقدمة طبيعية للخروج على عقبة وقتله.
فكسيلة من أكابر البربر وإهانته إهانة لقومه ولذا يجب على المجاهد أن يتعرف على طبائع الناس في أراضي الجهاد حتى يكون أقدر على التعامل معهم ومن ثم كسب قلوبهم.
فمعركة كسب القلوب هذه مهمة وضرورية لكسب الحرب في النهاية.
قال ابن الأثير رحمه الله:
لما ولى الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة سجستان وذلك سنة ثمان وسبعين مكث سنة لم يغز وكان رتبيل مصالحًا وكان يؤدي الخراج وربما امتنع منه.
فبعث الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة يأمره بمناجزته وأن لا يرجع حتى يستبيح بلاده ويهدم قلاعه ويقيد رجاله.
فسار عبيد الله في أهل البصرة وأهل الكوفة وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ وكان من أصحاب علي ومضى عبيد الله حتى دخل بلاد رتبيل فأصاب من الغنائم ما شاء وهدم حصونًا وغلب على أرض من أراضيهم وأصحاب رتبيل من الترك يتركون لهم أرضًا بعد أرض حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخًا فأخذوا على المسلمين العقاب والشعاب فسقط في أيدي المسلمين فظنوا أن قد هلكوا فصالحهم عبيد
الله على سبعمائة ألف درهم يوصلها إلى رتبيل ليمكن المسلمين من الخروج من أرضه فلقيه شريح فقال له: إنكم لا تصالحون على شيء إلا حسبه السلطان من أعطياتكم وقد بلغت من العمر طويلًا