فلما أخبر أمه قالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا.
واستلب أبو طلحة الأنصاري يوم حنين عشرين رجلًا وحده وقتلهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قتل قتيلًا فله سلبه".
وقتل أبو قتادة الأنصاري قتيلًا وأجهضه القتال عن أخذ سلبه فأخذه غيره فلما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك قام أبو قتادة فقال: قتلت قتيلًا وأخذ غيري سلبه.
فقال الذي أخذ السلب: هو عندي فارضه مني يا رسول الله.
فقال أبو بكر: لا والله لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه فرد عليه السلب.
انتهى.
أنزل الله تعالى في كتابه الكريم {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} كقانون ثابت يلغي أي قيمة قد تتعلق بها النفوس التي لا تبلى حساباتها إلا من خلال لغة الأرقام، فكان لا بد من تجربة عملية وبلغة الأرقام أيضا حتى يرسخ الإيمان بالقانون السابق.
لقد كان للتفوق العددي للمسلمين في هذه الغزوة أثره البالغ في نفوس الصحابة مما دعا أحدهم أن يقول (لن نغلب اليوم من قلة) .
فكان لا بد من درس سريع ليزيل هذا الأثر من تلك النفوس.
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} أما النصر فلم ينزل إلا على الفئة القليلة الثابتة الصابرة على أمر الله الموقنة بموعوده"أنا النبي لا كذب أنا بن عبدالمطلب".
فكان درسا راسخا في عقول وقلوب الجيل الأول من المجاهدين، إن مسألة الأعداد لا تقدم ولا تؤخر في النصر وأن من توكل على شيء وكل إليه، وأن النصر في حقيقته من عند الله {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .
ولن يدرك ما عند الله إلا بطاعته، ومن طاعته في موطن الحرب الأخذ بأسباب النصر ومنها تقوى الله والإخلاص له والتوبة من الذنوب والاحتراز منها والإعداد الجيد مع حسن التوكل والثبات وذكر الله وطاعة الأمير وترك التنازع والاستنصار بالمستضعفين والتبرؤ من الحول والقوة والالتجاء والاعتصام بالله وحده.