فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 190

فانتخبوا من أولاد الملوك وأهل النجدة من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال وأمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة فيبيتوه فإنه مشغول عنه بحصار سمرقند وولوا عليه ابنًا لخاقان فساروا.

وبلغ قتيبة الخبر فانتخب من عسكره أربعمائة وقيل: ستمائة من أهل النجدة والشجاعة وأعلمهم الخبر وأمرهم بالمسير إلى عدوهم فساروا وعليهم صالح بن مسلم فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم فجعل صالح له كمينين فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوهم فلما رأوا صالحًا حملوا عليه فلما اقتتلوا شد الكمينان عن يمين وشمال فلم ير قوم كانوا أشد من أولئك.

قال بعضهم: إنا لنقاتلهم إذ رأيت تحت الليل قتيبة وقد جاء سرًا فضربت ضربةً أعجبتني.

فقلت: كيف نرى بأمي وأبي قال: اسكت فض الله فاك.

قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد وحوينا أسلابهم وسلاحهم فاحتززنا رؤوسهم وأسرنا منهم أسرى فسألناهم عمن قتلنا فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيمًا أو بطلًا كان الرجل يعد بمائة رجل وكتبنا أسماءهم على آذانهم ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا فلم يأت أحد بمثل ما جئنا به من القتلى والأسرى والخيل ومناطق الذهب والسلاح قال: وأكرمني قتيبة وأكرم معي جماعة وظننت أنه رأى منهم مثل الذي رأى مني.

انتهى.

قال الله تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} وقال صلى الله عليه وسلم"استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".

إن الذي يأخذ الأمور بجدية لا يهمل من تفاصيلها شيئا، ومن أهم ما يتعلق بنجاح عمل المجاهد هي السرية التامة التي يجب أن تكون ملازمة لعمله حتى يكتب له النجاح.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وهذه التورية تبدأ من الجيش نفسه بحيث لا يصل للعدو أي خبر عن الوجهة الحقيقية للتحرك لا من قريب ولا من بعيد.

هذه السرية التامة والتورية والتحرك الخفي يحرص عليه كبار القادة العسكريين حتى يحصلوا على عنصر [المباغتة] في المعركة وهو عنصر هام جدا وحاسم في صف من يملكه، ولا يملكه إلا من أحسن كتمان أخباره وتحركاته كما فعل قتيبة بن مسلم في مسيره إلى سمرقند.

فمع أن الجيش يضم آلاف الجنود ولكن أحدا لم يكن يعرف بالوجهة الحقيقية للجيش، لأن القانون الأمني في العمليات العسكرية الحاسمة والكبيرة هو أن المعلومة على قدر الحاجة!

وقد أبدى قتيبة براعة كبيرة في إخفاء أهداف تحركاته العسكرية!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت