من النهار فنادى من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم وكان ابن زنيم والمسلمون بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم وإن استندوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد.
فقام فقال: يا أيها الناس إني رأيت هذين الجمعين وأخبر بحالهما.
وصاح عمر وهو يخطب: يا سارية بن زنيم الجبل الجبل! ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودًا ولعل بعضها أن يبلغهم.
فسمع سارية ومن معه الصوت فلجؤوا إلى الجبل ثم قاتلوهم فهزمهم الله وأصاب المسلمون مغانمهم
انتهى.
أمر الله عباده المؤمنين بنشر الدين الذي ارتضاه لنفسه في الأرض كلها وأمر بجهاد من وقف في وجه هذه الدعوة الربانية، ثم دلهم على مفاتيح النصر في كل معركة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
فإن هم صدقوا وصبروا على ذلك:
جعلهم ستارا لقدرته فأصبحوا قوة لا تقهر مهما كثر أعداؤها {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وإن هم صدقوا وصبروا على ذلك:
سخر لهم كل ما حولهم من كائنات فتقاتل معهم الملائكة والريح والرمال والبحار والطير والمطر والسحاب والسباع وغيرها فتكون معركة كونية كبرى وجيش مهول لا يصمد في وجهه أحد.
وإن هم صدقوا وصبروا على ذلك:
تولاهم بنصره {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} .
إن الحسابات الدنيوية المنطقية لتصطدم في أفهام الخبراء العسكريين عندما يرون فئة قليلة ضعيفة الإمكانيات تثبت في مكانها وتحقق النصر تلو النصر على الفئة الكثيرة في العدد والعدة، وصدق الله العظيم {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
فالصورة السابقة هي المشاهد الحقيقية في كل معركة يلتقي فيها صفي الحق والباطل، فكلما خرجت فئة تقاتل في سبيل الله جعل الله لهم من الكرامات ما يثبتهم به وينصرهم بحسب إيمانهم وتوكلهم عليه.