فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 190

فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله وخافوا أن يتبعوهم وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة وطلبًا للشهادة فقتل الفرنج منهم ألوفًا وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم.

انتهى.

إن المتأمل في أحداث هذه المعركة يرى بوضوح أن استعلاء كربوقا وسوء معاملته للجند والقادة وتسفيه آرائهم هو السبب الرئيسي للهزيمة هنا، ولا عجب من ذلك بل العجب أن ينتصر جيش تحت وطأة الإهانات وسوء المعاملة من أميرة!

إن كثيرا من المعارك يأبى الجنود فيها من الانسحاب رغم القتال الشديد والجراح استحياء من أميرهم الذي مازال في ساحة المعركة لأنه قد أسرهم بخلقه ومعاملته الحسنة مما جعلهم يفضلون الموت على أن يخذلوه، فالقائد الجيد إن جمع مع حسن قيادته حسن المعاملة مع الجند فجعل يتفقدهم كما يتفقد الأب أبناءه ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم عندها سيشعرون أنه واحد منهم وهو ما سيجعل قيادته ناجحة بإذن الله تعالى، أما إن أساء السيرة معهم فسيؤثر ذلك على معنوياتهم أولا وعلى أدائهم القتالي ثانيا وقد يتخذون موقف شخصي منه فينكلون عن القتال أو عن طاعة أوامره حتى لا يسجل أي نصر باسمه، وهذا في أحسن الأحوال وإلا فكم من قائد قتل على يد جنده عندما سنحت لهم الفرصة بذلك وما ذلك إلا لسوء خلقه ومعاملته لهم.

قال ابن الأثير رحمه الله:

كان صنجيل الفرنجي لعنه الله قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب قونية وكان صنجيل في مائة ألف مقاتل وكان قلج أرسلان في عدد قليل فاقتتلوا فانهزم الفرنج وقتل منهم كثير وأسر كثير وعاد قلج أرسلان بالغنائم والظفر الذي لم يحسبه.

ومضى صنجيل مهزومًا في ثلاثمائة فوصل إلى الشام فأرسل فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس إلى الأمير ياخز خليفة جناح الدولة على حمص فإلى الملك دقاق بن تتش يقول: من الصواب أن يعاجل صنجيل إذ هو في هذه العدة القريبة فخرج الأمير ياخز بنفسه وسير دقاق ألفي مقاتل وأتتهم الأمداد من طرابلس فاجتمعوا على باب طرابلس وصافوا صنجيل هناك فأخرج مائة من عسكره إلى أهل طرابلس ومائة إلى عسكر دمشق وخمسين إلى عسكر حمص فأما عسكر حمص فإنهم انكسروا عند المشاهدة وولوا منهزمين وتبعهم عسكر دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت