ثم استشار أصحابه فقال أبو بكر فأحسن ثم قال عمر فأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنّا هَهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد _يعني مدينة الحبشة_ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فدعا لهم بخير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشيروا علي أيها الناس"وإنما يريد الأنصار لأنهم كانوا عدد الناس وخاف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة وليس عيهم أن يسير بهم.
فقال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله قال:"أجل".
قال: قد آمنا بك وصدقناك وأعطيناك عهودنا فامض يا رسول الله لما أمرت فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدًا إنا لصبرٌ عند الحرب صدقٌ عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله! فسار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:"أبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم".
ثم انحط على بدر فنزل قريبًا منها.
وكان أبو سفيان قد ساحل وترك بدرًا يسارًا ثم أسرع فنجا فلما رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش وهم بالجحفة: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم فارجعوا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا _وكان بدر موسمًا من مواسم العرب تجتمع لهم بها سوق كل عام_ فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا.
فقال الأخنس بن شريق الثقفي وكان حليفًا لبني زهرة وهم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم وصاحبكم فارجعوا.
فرجعوا فلم يشهدها زهري ولا عدوي وشهدها سائر بطون قريش.
ولما كانت قريش بالجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال: إني رأيت فيما يرى النائم رجلًا أقبل على فرس ومعه بعير له فقال: قتل عتبة وشيبة وأبو جهل وغيرهم ممن قتل يومئذ ورأيته ضرب لبة بعيرة ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء إلا أصابه من دمه.
فقال أبو جهل: وهذا أيضًا نبي من بني المطلب سيعلم غدًا من المقتول.
وكان بين طالب بن أبي طالب وهو في القوم وبين بعض قريش محاورةٌ فقالوا: والله قد عرفنا أن هواكم مع محمد.