فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 123

وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي، فينهى عن أكل المال بالباطل مطلقًا ولو كان بغير ميسر كالربا، وينهى عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال، فإذا اجتمعا عظم التحريم: فيكون الميسر المشتمل عليهما أعظم من الربا، ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر حرمها ولو كان الشارب يتداوى بها، كما ثبت في الحديث الصحيح. وحرم بيعها لأهل الكتاب وغيرهم، وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولا يوقع العداوة والبغضاء؛ لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه، كل ذلك مبالغة في الاجتناب. فكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا. والمعين على الميسر كالمعين على الخمر، فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان. وكما أن الخمرة تحرم الإعانة عليها ببيع أو عصر أو سقي أو غير ذلك؛ فكذلك الإعانة على الميسر: كبائع آلاته، والمؤجر لها والمذبذب الذي يعين أحدهما؛ بل مجرد الحضور عند أهل الميسر كالحضور عند أهل الخمر ... ) 0

والشريعة تحارب الميسر، وتطارده في كل المجالات، ولا تبيح منه شيئًا. وفساده وقبحه يعلم بالشرع، والعقل، ولو لم يرد في تحريمه دليل من الكتاب، والسنة، والإجماع لكانت المصلحة تقتضي منعه، وزجر فاعله، فقد جاءت الشريعة بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها 0

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الفروسية (309) وإذا تأملت أحوال هذه المغالبات، رأيتها في ذلك كالخمر، قليلها يدعو إلى كثيرها، وكثيرها يصد عن ما يحبه الله ورسوله، ويوقع فيما يبغضه الله ورسوله، فلو لم يكن في تحريمها نص؛ لكانت أصول الشريعة، وقواعدها، وما اشتملت عليه من الحكم والمصالح وعدم الفرق بين المتماثلين، توجب تحريم ذلك، والنهي عنه 0

وحين كانت الشريعة الإسلامية مؤسسة على العدل، ومحاربة الظلم بكل أشكاله وصنوفه وألوانه، وجاءت بقواعد نورانية منها القاعدة العظيمة (لا ضرر ولا ضرار) وعلى هذا الأساس منعت كل المعاملات التي يتخللها ظلم ومنها الميسر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (28/ 385)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت