ساحات الجهاد على أنها سوق الجنة مفتحة الأبواب، يخشى إن تأخر ساعة أن تغلق دونه، ويخشى أن يكون ممن كره الله انبعاثه فيثبطه، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:46]
كما يخشى إن لم يستجب لأمر الله، وعصاه بالقعود عن الجهاد بطاعته المخلفين من الأعراب، وأن يحال بينه وبين قلبه الذي بين أضلعه، فيضل ضلالًا مبينًا، ويكون من الفاسقين، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24] .
وقال الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24] .
إن هؤلاء الأبطال شامة في وجه أمتنا، و إن كثيرًا من أمم الأرض و شعوبها سرَّها ضرب الطغيان الأمريكي، و كان يشرفها لو أن في أبنائها أمثال هؤلاء الرجال؛ ليكونوا قدوة لأجيالها في الشجاعة و الرِفعة و الإباء لزمنٍ طويل، ولكن الله ادخر هذا الفضل العظيم كله لهذه الأمة و أبنائها، لأولئك الرجال العِظام، أتباع نبينا محمد عليه الصلاة و السلام.
و إن أمم الأرض و شعوبها مَدينةً لهؤلاء الرجال، الذين كسروا حاجز الخوف من طاغية العصر، عندما أصابوا عيره و نفيره في المَقاتِل العِظام، و داسوا هيبته و كبريائه على الملأ، فأغرقه الله في بحرٍ متلاطم من المصائب و الناس كلهم ينظرون، في أحداثٍ هائلة مهيبة مدوية، كحال فرعون من قبل، قال الله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة:50] .
و إن هذا الحدث العظيم غيرَ وجه الأرض، و هز ضمير البشرية، و أثر في واقعها تأثيرًا عظيمًا، عندما رأت فتية في ربيع أعمارهم ينغمسون في العدو حُسَرًا، و لكن في قلوبهم يقين بالنبأ العظيم.
و إن ما نراه اليوم من تداعي الدول و الشعوب ضد فرعون العصر إنما كان من أسبابه العِظام تلك الجرأة الرهيبة من أولئك الرجال، الذين أظهروا الطاغية على حقيقته، فاقتفا أهل الأرض آثارهم، و اقتدوا بفعالهم، للتحرر من عبودية طاغية العصر، فكان فعل هؤلاء الفتية الأبطال كالغلام الذي تقدم و وقف في وجه الملك الطاغية، و ضحى بنفسه في سبيل الله؛ ليحيا الناس بالإيمان و ينتصر الدين.
و نتيجة لذلك تدفق على الأرض سيلٌ عَرِم من الصدق و الشجاعة و الكرم، و غيرها من الأخلاق العظيمة، غمرت نواحي المعمورة.
فالسبيل لإحقاق الحق هو بالجهاد في سبيل الله، و السبيل لإبطال الباطل هو بالجهاد في سبيل الله، و السبيل لكف بأس الكفار هو بالجهاد في سبيل الله، و الجهاد هو أحد القواعد الخمس التي يقوم عليها ركن الدين العظيم.