وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب , بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا , سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه , فإنه أوتي الكتاب ومثله معه , ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا , بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول ; إيذانا بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول , فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته , ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} وقال: {إنما الطاعة في المعروف} وقال في ولاة الأمور: {من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة} .
إن المتأمل لكلام أهل العلم في الشروط التي اتفقوا عليها و اختلفوا في بعضها خلافًا لا يكاد يذكر .. في تنصيب الإمام للمسلمين .. يجد بكل وضوح أن هذه الشروط لا تنطبق على حكام المسلمين اليوم حيث لم يجرؤ أحدٌ منهم أن يعلن أنه الإمام الأعظم للمسلمين .. لأن هذا سيلزمهم تبعات هم يرون أنهم في غنى عنها .. فهم يكتفون بأن يكونوا حكام بلاد وولاة أمر وليسوا أئمة فالملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود يحدثنا عنه أجدادنا أنه كان يقول للإخوان أنا لست إمامًا لجميع المسلمين .. وإنما حاكم هذه الجزيرة ... وما ذكرتموه من وجوب جهاد جميع الدول الكافرة يجب على الإمام الأعظم وأنا لست كذلك .. !!
قال الماوردي في الأحكام السلطانية وكذا الفراء في الأحكام السلطانية أيضًا:
وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام. والثالث سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها. والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض. والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو. والسابع: النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه , ولا اعتبار بضرار حين شذ فجوزها في جميع الناس , لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم {الأئمة من قريش} فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا منا أمير ومنكم أمير تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء , وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
{قدموا قريشا ولا تقدموها} . وليس مع هذا النص المسلم شبهة لمنازع فيه ولا قول لمخالف له. أ. هـ