أولا: من استدل بقوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) ؛ فهذا من عجائب الاستدلال، فإن النفس إذا كانت قاتلة أو معينة على قتل ولو برأي ومشورة فهي مستحقة للعقاب هذا أولا، ثم الآية في غير الطائفة الممتنعة وفي غير الدول والقبائل الناكثة، إذا تمالأت فإن الردء والمعين له حكم المباشر بالإجماع، كما سبق ذكره قبل قليل.
ثانيا: أما آية (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) ؛ فمعنى الآية: ولا تعتدوا ظلما أو بغير حقـ أما على وجه القصاص أو المعاملة بالمثل أو بحق في الجهاد أو في هجوم البيات ونحوه فهذا مخصص لعموم الآية، ويخصصها أيضا قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ، وحديث الصعب بن جثامة السابق، وآية (والجروح قصاص) .
قال ابن تيميه: (ولهذا اتفق العلماء على جواز إتلاف الشجر والزرع الذي للكفار إذا فعلوا بنا مثل ذلك أو لم يقدر عليهم إلا به) [منهاج السنة 3/ 442] ، وقال مثله في البناء والغرس مثل ما يفعلوا بنا بغير خلاف [الفتاوى 28/ 414,596] ، ونقله ابن قاسم في حاشيته عن ابن تيميه في الشجر والزرع وتخريب العامر عند الحاجة [40/ 270] .
ثالثا: آية (ولاتزر وازرة وزر أخرى) ؛ فهذه الآية عامة مثل سوابقها من الآيات فهذه في النفس البريئة براءة محضة لم تقاتل ولم تعن على القتال لا برأي ولا مشورة ولاشيء البتة وليست في باب البيات ولا في الطائفة الممتنعة وليست من أهل السواد المكثر لسواد الأعداء، أما إن أعانت بأي شكل من أشكال الإعانة أو كانت ضمن الطائفة فأعانت بالسواد ونحوه فهذا كسب لهما وعمل ووزر فعلته، قال تعالى (إنما تجزون ما كنتم تعملون) .
رابعا: أما الاستدلال بآيات العدل ووجوبه، فإن من العدل عقاب الظالم المحارب الناكث هو ومن أعانه وكثر سواده وحارب المسلمين.
هذا بعض ما تيسر ذكره من الآيات ولا يخلو أي آية يذكرها أحد من هؤلاء وأمثالهم إلا وهي ضمن السياق السابق؛ إما إنها آية عامة مطلقة وما ذكرنا مخصص لها ومقيدة، أو أنها في غير الطوائف الممتعة وفي غير الإعانة بالرأي والسواد والمشورة، فانتبهوا لذلك يفيدكم فائدة كبيرة في الإيرادات عليكم.
أما الأحاديث:
أولا: فمثل حديث (في كل كبد رطبة أجر) ؛ فهذا الحديث في غير المحاربين وأعوانهم فإن أكبادهم مع الحرب والإعانة وتكثير السواد والتمآل تؤصل ولا أجر فيها إلا بقتلها.
ثانيا: أما حديث تحريم الظلم فإنه حق، ولكن قتل المستحق بمباشرة وإعانة أو ممالأة أو تكثير سواد أو مع الطائفة الناكثة فليس من الظلم معاقبته على كسبه بل من العدل.