فلنستيقظ من غفلتنا أيها المسلمون، ولنستدرك ما فاتنا من رمضان، ولنجعل ما بقي من شهرنا أحسن مما فات، ولنتذكر قوله: (( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (3) [1] ، وقوله أيضا: (( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (4) [2] .
فمن صام رمضان لله تعالى، وطاعة له ليس لأجل أنه رأى الناس صاموا فصام، ورجاء ثوابه، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام لياليه مصليا مخلصا لله تعالى ورغبة في مثوبته غفر له ما تقدم من ذنبه وخرج من رمضان كيوم ولدته أمه، بل لقد قال: (( إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) ) (5) [3] ، فمن صلى صلاة التراويح مع الإمام حتى ينتهي من آخر ركعة منها، كتب له أجر قيام ليلة بأكملها، هذا من فضل الله على عباده المؤمنين، ولكن أكثر الناس عن شكر هذه النعمة غافلون.
فمن أراد الفوز بالجنة والنجاة من النار، فما عليه إلا اغتنام وقته وصحته وماله في هذا الشهر المبارك خاصة، في طاعة الله تعالى والتقرب إليه، فلعل الواحد منا يكون هذا الشهر آخر رمضان يعيشه، فيكون ممّن أعتق فيه من النار.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
(1) أخرجه الترمذي وهو صحيح.
(2) أخرجه الحاكم وهو صحيح ، صحيح الجامع [1077] .
(3) متفق عليه عن أبي هريرة.
(4) مسلم عن أبي هريرة .
(5) الأربعة عن أبي ذر وهو صحيح.
ــــــــــــــــ
أحمد فريد
الإسكندرية
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-موعظة في استقبال رمضان. 2- خصوصيات شهر رمضان. 3- تعريف الصوم. 4- فوائد الصوم. 5- صيام الجوارح. 6- رمضان شهر القرآن والقيام والإنفاق.
الخطبة الأولى
ثم أما بعد:
قال الله عز وجل: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [البقرة:185] .
يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة.
يا من دامت خسارته، قد أقبلت أيام التجارة الرابحة.
من لم يربح في هذا الشهر، ففي أي وقت يربح.
من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح.
عباد الله هبت على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب، سعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح، وصلت البشارة للمنقطعين بالوصل، وللمذنبين بالعفو، والمستوجبين النار بالعتق .
لما سلسل الشيطان في شهر رمضان، وخمدت نيران الشهوات بالصيام، انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل ،فلم يبق للعاصي عذر، يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي، ويا عيون المجتهدين لا تهجعي، يا ذنوب التائبين لا ترجعي، يا أرض الهوى ابلعي ماءك ويا سماء النفوس اقلعي، يا خواطر العارفين ارتعي، يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي، قد مدت في هذه الأيام، موائد الإنعام للصوام، فما منكم إلا من دعى: يا قومنا أجيبوا داعي الله [الأحقاف:31] .
فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طرد عن الباب وما دعى.
قال المعلّى بن الفضل: كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
وقال يحي بن أبي كثير: كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان، وتسلمه مني متقبلا .
وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( إذا جاء رمضان فتّحت أبواب الجنة ) ) (1) [1] ).
وله عنه قال: قال رسول الله: (( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين ) ) (2) [2] ) وفي رواية عند مسلم (( فتحت أبواب الرحمة ) ).
قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره، وحقيقته أن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين.
قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن إعجازهم عن الإغواء وتزيين الشهوات.
وهذا الشهر عباد الله مدرسة ربانية رحمانية تفتح أبوابها كل سنة شهرا كاملا يتدرب فيه العباد على طاعة الله عز وجل والإمساك عن معاصيه، فهو شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن والصدقة والعمرة وسائر الطاعات .
روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: قال الله: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه ) ) (3) [3] ).
والصيام في اللغة هو الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة، فهو إمساك المكلف بالنية عن الطعام والشراب والشهوة من الفجر إلى المغرب.
وفي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:
منها كسر النفس، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة.
ومنها تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد يقسي القلب ويعميه، وخلو البطن من الطعام والشراب، ينور القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته ويخليه للفكر والذكر.
ومنها أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بامتناعه عن هذه الشهوات في وقت مخصوص، وحصول المشقة له بذلك بتذكر من منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.
ومنها أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي الصوم وجاءً؛ لقطعه عن شهوة النكاح.
ولا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك الشهوات المباحة في غير حالة الصيام، إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال، من الكذب والظلم والاعتداء على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ) ) (4) [4] ).
قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام.
وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
وكان السلف إذا صاموا جلسوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا.
والصائمون على طبقتين: أحدهما من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب معه من عامله بل يربح عليه أعظم الربح، فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء، قال الله تعالى: كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية [الحاقة:24] .
قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين .
وفي الصحيحين عن النبي قال: (( إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه غيرهم ) ) (5) [5] ). وفي رواية: (( فإذا دخلوا أغلق ) )وفي رواية: (( من دخل شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ) ).
والطبقة الثانية من الصائمين من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته .
أهل الخصوص من الصوام صومهم صون اللسان عن البهتان والكذب
والعارفون وأهل الأنس صومهم صون القلوب عن الأغيار والحجب
العارفون لا يسليهم عن رؤية مولاهم قصر، ولا يرويهم دون مشاهدته نهر هممهم أجلّ من ذلك .
من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غدا في الجنة، ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [العنكبوت:5] .
وقوله عز وجل في الحديث القدسي: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ) )معناه أن الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يضاعفه الله عز وجل أضعافا كثيرة، بغير حصر عدد فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر:10] .
وقيل الحكمة في إضافة الصيام إلى الله عز وجل، أن الصيام هو ترك حظوظ النفوس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها، من الطعام والشراب والنكاح، ولا يوجد ذلك في غيره من العبادات.
قال بعض السلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، وقيل: لأن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره، لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله، وترك لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها دائما، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة، والله عز وجل يحب من عباده أن يعاملوه سرا.
وشهر رمضان له خصوصية بالقران كما قال الله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [البقرة:185] .
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما أنه أنزل جملة واحدة من اللوح الحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر ويشهد لذلك قوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر [القدر:1] .
كان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام، قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
والشهر عباد الله مجاهدة بالليل والنهار، فكما أن العبد يجاهد نفسه بالصيام ويلزمها بأخلاق الصائمين، يجاهد نفسه كذلك بالقيام تشبها بالصالحين. قال رسول الله: (( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (6) [6] ).
وكان عمر قد أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يؤما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا قرب الفجر.
والشهر كذلك عباد الله تدريب على الإنفاق وكثرة الجود، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (7) [7] ).
فقد كان النبي أجود الناس وكان جوده لله وفي ابتغاء مرضاته، وكان جوده يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه يتضاعف فيه أيضا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة.
ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك، فإنه كان يلتقي هو وجبريل عليه السلام، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل عليه السلام وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم والجود.
وفي تضاعف جوده في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه، فإن العمل يشرف ويزداد ثوابه لشرف الزمان، أو المكان، أو لشرف العامل وكثرة تقواه.
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أن من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا.
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لا سيما في ليلة القدر، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء.
كما قال: (( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) ) (8) [8] ).
فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: (( من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم الجنازة ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تصدق بصدقة ؟ قال أبو بكر: أنا، قال فمن عاد منكم مريضا ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة ) ) (9) [9] ).
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وقد قال: (( الصيام جنة ) ) (10) [10] ). وقال: (( الصدقة تطفئ الخطيئة ) ) (11) [11] ).
قال أبو الدرداء: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير.
ومنها: أن الصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث.
ومنها: ما قاله الشافعي رحمه الله: أَحِبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان، اقتداء برسول الله ، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم عن مكاسبهم، اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا.
اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وحاضرنا وغائبنا.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.
الخطبة الثانية
لم ترد .
(1) البخاري (4/112) الصوم: هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومسلم (7/87) أول كتاب الصوم رقم (1898) .
(2) البخاري (4/112) الصوم ، رقم 1899.
(3) البخاري (4/103) الصوم: باب فضل الصوم ومسلم (8/32) في الصيام: باب فضل الصيام.
(4) رواه البخاري (4/16) في الصوم: باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم وفي الأدب باب قول الله تعالى: واجتنبوا قول الزور ورواه أبو داود (6/488) في الصوم ك باب الغيبة والترمذي (3/226) باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم .
(5) البخاري (4/111) في الصوم: باب الريان للصائمين ومسلم (8/32) في الصيام: باب فضل الصيام.
(6) رواه البخاري (4/250) التراويح: باب فضل من قام رمضان.
(7) رواه البخاري (4/116) الصوم: باب أجود ما كان النبي يكون في رمضان ، ومسلم (15/68،69) الفضائل: جوده .
(8) رواه الطبراني في الكبير عن جرير. وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 317، (2/293) .
(9) أخرجه مسلم في صحيحه (3/92) ، (7/110) والبخاري في الأدب المفرد (75) - أحكام الجنائز 69.
(10) 10])رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وتقدم تخريجه .
(11) 11])لم أقف على لفظه وقد روى الترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم - (( إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ) )وحسنه الترمذي ولكن ضعفه الألباني في الإرواء حديث 885 (3/390) وذكره الألباني في الصحيحة رقم 1908 (4/535) لفظ (( صدقة السر تطفئ غضب الرب ) )وقال حفظه الله بعد أن ذكر طرق الحديث: وجملة القول أن الحديث بجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب بل يلحق بالمتواتر عند بعض المحدثين المتأخرين.
ــــــــــــــــ
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-موعظة في الإقبال على العمل الصالح 2-علامات قبول العمل 3- أعمال صالحة بعد رمضان
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ربكم، فإنه عفو غفور جواد شكور، وهو وحده مصرف الشهور، ومقدر المقدور، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، وهو عليم بذات الصدور. وقد جعل لكل شيء أسبابًا، ولكل أجل كتابًا، ولكل عمل حسابًا، وما ربك بغافل عما تعملون، وجعل الدنيا سوقًا يغدو إليها الناس ويروحون منها، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، وإنما يظهر الفرقان ويتجلى الربح من الخسران يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التغابن:9،10] .
أيها المسلمون:تذكروا أن الأيام أجزاء من العمر، ومراحل في الطريق إلى المستقر، تفنونها يومًا بعد آخر، ومرحلة تلو الأخرى، ومضيها في الحقيقة استنفاذ للأعمار، واستكمال للآثار، وقرب من الآجال، وغلق لخزائن الأعمال، إلى حين الوقوف بين يدي الكبير المتعال: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءوفُ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] .
فاتقوا الله عباد الله في سائر أيامكم، وراقبوه في جميع لحظاتكم، وتقربوا إليه بصالح أعمالكم، والتوبة إليه من معاصيكم وسيئاتكم.
أيها المسلمون: في الأيام القليلة الماضية كنتم في شهر رمضان شهر البركات والخيرات، شهر مضاعفة الأعمال والحسنات، تصومون نهاره، وتقومون ما تيسر من ليله، وتتقربون إلى ربكم سبحانه بفعل الطاعات، وهجر المباح من الشهوات، وترك السيئات الموبقات، ثم مضت تلك الأيام وقطعتم بها مرحلة من مراحل العمر، والعمل بالختام، فمن أحسن فليحمد الله وليواصل الإحسان، ومن أساء فليتب إلى الله وليصلح العمل ما دام في وقت الإمكان.
واعلموا أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، وإن الله تعالى إذا أراد بعبده الخير فتح له بين يدي موته باب عمل صالح يهديه إليه، وييسره عليه، ويحببه إليه، ثم يتوفاه عليه، وكل امرئ يبعث على ما مات عليه، فالزموا ما هداكم الله له من العمل الصالح، واحذروا الرجوع إلى المنكرات والقبائح، فليس للمؤمن منتهى من العباد دون الموت، قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] .
فنهج الهدى لا يتحدد بزمان، وعبادة الرب وطاعته ليست مقصورة على رمضان، بل لا ينقطع مؤمن من صالح العمل إلا بحلول الأجل؛ فإن في استدامة الطاعة وامتداد زمانها نعيمًا للصالحين، وقرة أعين المؤمنين، وتحقيقًا لأمل المحسنين، يعمرون بها الزمان ويملأون لحظاته بما تيسر لهم من خصال الإيمان التي يثقل بها الميزان، ويتجمل بها الديوان، وفي الحديث: (( خير الناس من طال عمره وحسن عمله ) ) (1) [1] . وفي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( لا يتمنَّين أحدكم الموت؛ إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب ) ) (2) [2] . وفي رواية لمسلم عنه عن رسول الله قال: (( لا يتمن أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا ) ) (3) [3] .
أيها المسلمون: ألا وإن لقبول العمل علامات، وللكذب في التوبة والإنابة أمارات، فمن علامة قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، ومن علامة السيئة عمل السيئة بعدها، فأتبعوا الحسنات بالحسنات تكن علامة على قبولها، وتكميلًا لها، وتوطينًا للنفس عليها، حتى تصبح من سجاياهم وكرم خصالها، وأتبعوا السيئات بالحسنات تكن كفارة لها، ووقاية من خطرها وضررها: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ ذالِكَ ذِكْرَى لِلذكِرِينَ [هود:114] . وفي الحديث الصحيح عن النبي قال: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) ) (4) [4] . وفي لفظ: (( وإذا اسأت فأحسن ) ) (5) [5] . وقال: (( من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله ) ) (6) [6] . أي لتكن كفارة لحلفه بغير الله.
وإن الله تعالى قد شرع لكم بعد رمضان أعمالًا صالحة تكن تتميمًا لأعمالكم، وقربًا لكم عند مليككم، وعلامة على قبول أعمالكم، ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب أن رسول الله قال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر ) ) (7) [7] . وكان يصوم الاثنين والخميس ويقول: (( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم ) ) (8) [8] . وفي الصحيحين عن النبي قال: (( صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله ) ) (9) [9] . وقال: (( أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) ) (10) [10] .
فاغتنموا هذه الأعمال العظيمة وداوموا عليها ؛ فإن عمل نبيكم كان ديمة، واسألوا الله من فضله فإنه ذو الفضل العظيم، وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، وسلك بنا سبيل أولي التقى، وثبتنا على الحق في الحياة الدنيا وفي الآخرة: سُبْحَانَ رَبّكَ رَبّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا جميعًا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1) صحيح، أخرجه أحمد (4/188، 190) ، والترمذي ح (2329، 2330) وقال: حسن غريب من هذا الوجه.
(2) صحيح البخاري ح (5349) ، صحيح مسلم ح (2680) بمعناه.
(3) صحيح مسلم ح (2682) .
(4) حسن، أخرجه أحمد (5/153، 157) ، والترمذي ح (1987) وقال: حسن صحيح.
(5) أخرجه الإمام أحمد (5/181) عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( ستة أيام ثم اعقل يا أبا ذر ما أقول لك بعد ) )فلما كان اليوم السابع قال: (( أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحدًا شيئًا وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة، ولا تقضي بين اثنين ) ). قال البنا في"بلوغ الأماني" (19/194) : والحديث ضعيف لأن في إسناده دراج عن أبي الهيثم"ودراج هو: دراج بن سمعان السهمي قال ابن حجر: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعْف. التقريب (1833) ."
(6) أخرجه البخاري ح (4579) ، ومسلم ح (1647) .
(7) صحيح مسلم ح (1164) .
(8) صحيح، أخرجه أحمد (5/201) ، والترمذي ح (747) وقال: حسن غريب، والنسائي ح (2358) .
(9) أخرجه البخاري ح (1878) واللفظ له، ومسلم ح (1159) .
(10) 10] صحيح، أخرجه الترمذي (2485) وقال: حديث صحيح، وابن ماجه ح (1334) .
ـــــــــــــــ